في خطوة مفاجئة عكست حجم التردد في دوائر صنع القرار بواشنطن، أرجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خططاً لتوسيع العمليات العسكرية ضد إيران، وذلك في أعقاب اجتماع حاسم عُقد في البيت الأبيض. هذا القرار، الذي وصفه مسؤولون في البنتاغون بأنه “تعليق مؤقت”، يفتح الباب واسعاً أمام التساؤلات حول طبيعة السيناريو الأمريكي القادم بشأن إيران، في ظل تصاعد التوترات التي تهدد بإشعال حريق واسع في منطقة الشرق الأوسط.
جاء هذا التطور بعد تحذيرات أطلقها كبار المسؤولين العسكريين في الإدارة الأمريكية بشأن التداعيات المحتملة لاستمرار الحملة الجوية، والتي استمرت لـ 13 ليلة متواصلة. وبحسب تقارير إعلامية نقلتها “نيويورك تايمز” و”CNN”، فإن أبرز المخاوف تمحورت حول الاستنزاف السريع لمخزونات الذخائر الدفاعية الأمريكية، خاصة صواريخ “باتريوت” الاعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي، مما قد يضعف القدرة على مواجهة أي هجمات مضادة.
جذور الأزمة: من الاتفاق النووي إلى حافة المواجهة
لم تظهر هذه الأزمة من فراغ، بل هي نتاج سنوات من التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران. شكل انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018 نقطة تحول رئيسية، حيث أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية قاسية ضمن استراتيجية “الضغط الأقصى” بهدف إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة. ردت طهران على ذلك بتقليص التزاماتها تدريجياً بموجب الاتفاق، وزيادة أنشطتها النووية، وهو ما زاد من قلق القوى الدولية وأجج التوترات في منطقة الخليج، التي شهدت سلسلة من الهجمات على ناقلات النفط ومنشآت حيوية.
حسابات واشنطن: بين الخيارات العسكرية والضغوط الاقتصادية
ناقش الاجتماع الحاسم في البيت الأبيض المخاطر المترتبة على توسيع رقعة الحرب في الشرق الأوسط، وانعكاساتها المحتملة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، الشريان الحيوي لنقل النفط عالمياً. وكان العامل الأبرز الذي دفع الإدارة الأمريكية لإعادة تقييم خيار التصعيد العسكري هو تقلص مخزون الصواريخ الاعتراضية. ورغم تأكيد الرئيس الأمريكي على استعداد القوات المسلحة لتنفيذ عمليات عسكرية أشد إذا اقتضت الضرورة، شدد البيت الأبيض على أن الحل الدبلوماسي لا يزال هو الخيار المفضل.
ما هو السيناريو الأمريكي القادم بشأن إيران؟
يبدو أن واشنطن تتحرك على مسارين متوازيين. المسار الأول هو تكثيف الضغوط الاقتصادية كبديل أقل خطورة من التصعيد العسكري المباشر. وفي هذا الإطار، فرضت وزارة الخزانة عقوبات جديدة على شبكة أعمال مرتبطة برجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني. وأكد وزير الخزانة أن مشتريات الصين من النفط الإيراني تراجعت بنحو 40%، مما يقلص الإيرادات النفطية لطهران. أما المسار الثاني، فهو الإبقاء على التهديد العسكري قائماً كورقة ضغط. وقال ستيفن تشيونغ، مدير الاتصالات في البيت الأبيض، إن ترامب “يفضل دائماً المسار الدبلوماسي”، لكنه يحتفظ بجميع الخيارات إذا واصلت إيران ما وصفه بـ”الأنشطة الإرهابية”.
وفي تصريحات للصحفيين، أكد ترامب: “نحن على أهبة الاستعداد ومستعدون للتحرك، لكننا نتفاوض معهم”. وأضاف في مقابلة أخرى: “توقف الضربات مؤقتاً لا يعني أننا تراجعنا”. هذه التصريحات تشير إلى أن التعليق الحالي هو وقفة تكتيكية لتقييم الموقف وإعادة ترتيب الأوراق، وليس نهاية للمواجهة.


