تصعيد مدروس أم هدوء يسبق العاصفة؟
يسود هدوء نسبي وحذر جبهات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الساعات الماضية، في أول تراجع ملموس لوتيرة الضربات المتبادلة منذ أسبوعين. لكن هذا الهدوء يبدو أقرب إلى استراحة عملياتية منه إلى بداية انفراج سياسي حقيقي. ففي الوقت الذي تتواصل فيه تحركات دبلوماسية تقودها باكستان بدعم صيني لإحياء قنوات التفاوض، تواصل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دراسة خيارات توسيع العمليات العسكرية، بالتزامن مع تشديد الخناق عبر حصار بحري فعال. إن مشهد **واشنطن تحاصر إيران** يضع المنطقة بأكملها على حافة الهاوية، مع تصاعد التنافس على السيطرة في مضيق هرمز الاستراتيجي.
تعود جذور هذا التوتر إلى عقود من العداء، لكنها اشتعلت مجدداً بعد قرار الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018 وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية بهدف إجبار طهران على التفاوض على اتفاق جديد. وقد ردت إيران على سياسة “الضغوط القصوى” بتصعيد أنشطتها النووية وتقليص التزاماتها بموجب الاتفاق، بالإضافة إلى استعراض قوتها العسكرية في مياه الخليج، مما خلق حلقة مفرغة من التصعيد المتبادل الذي يهدد باندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق قد تكون لها تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي واستقرار المنطقة.
مضيق هرمز: شريان النفط في قلب المواجهة
بات مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقرب من خُمس استهلاك النفط العالمي، المحور الرئيسي للصراع الحالي. تعتبر الولايات المتحدة ضمان حرية الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي أحد أهم أهدافها الاستراتيجية، بينما تلوّح إيران بقدرتها على إغلاقه كورقة ضغط أساسية في مواجهة العقوبات. وتأتي الإجراءات البحرية الأمريكية الأخيرة، التي شملت اعتراض سفن تجارية حاولت كسر الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، كتأكيد على جدية واشنطن في منع طهران من تصدير نفطها. وقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن هذه هي ثاني سفينة يتم تعطيلها منذ استئناف الحصار البحري، مشيرة إلى أن 12 سفينة أخرى تم تحذيرها وتغيير مسارها، مما يرفع مستوى التوتر في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.
خيارات ترامب بينما واشنطن تحاصر إيران
على الرغم من الحراك الدبلوماسي النشط، تشير المعطيات الواردة من واشنطن إلى أن البيت الأبيض لا يزال يضع الخيار العسكري في مقدمة حساباته. فقد عقد الرئيس ترامب اجتماعاً مع كبار مستشاريه لبحث توسيع نطاق العمليات العسكرية، مؤكداً أن الاتصالات مع إيران مستمرة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن بلاده مستعدة للتحرك إذا فشلت الجهود السياسية. وأوضح ترامب أن أمام إيران خيارين: إما العودة إلى اتفاق يرضي واشنطن، أو مواجهة ضربات “أعنف بكثير”. هذا الموقف يعكس قناعة متزايدة داخل الإدارة الأمريكية بأن القيادة الإيرانية لن تقدم تنازلات حقيقية إلا تحت ضغط عسكري مباشر، خاصة مع تراجع قدرات إيران في مجال الطائرات المسيّرة، وفقاً لتقييمات أمريكية.
قلق نووي متزايد
بالتوازي مع التصعيد العسكري، كشفت تقييمات استخباراتية أمريكية حديثة عن مخاوف جدية بشأن نوايا القيادة الإيرانية الجديدة تجاه البرنامج النووي. تشير التقييمات إلى أن المرشد الأعلى، مجتبى خامنئي، يتبنى مواقف أكثر تشدداً من سلفه تجاه امتلاك السلاح النووي، مدفوعاً بقناعة بأن الردع النووي هو الضمانة الوحيدة لأمن النظام. وبحسب مسؤولين أمريكيين، حافظت إيران على البنية الأساسية لبرنامجها النووي ونقلت أجهزة طرد مركزي متطورة إلى منشآت شديدة التحصين تحت الأرض، مما يجعل استهدافها بالقنابل التقليدية أمراً صعباً. ورغم أن الضربات السابقة قد أخرت البرنامج النووي، إلا أنها لم تقضِ عليه بالكامل، ولا تزال طهران تحتفظ بمخزون من اليورانيوم عالي التخصيب يمكن استخدامه مستقبلاً إذا ما اتُخذ القرار السياسي بذلك، مما يضيف بعداً خطيراً آخر للأزمة الحالية.


