الذكاء الاصطناعي في السعودية: من رؤية طموحة إلى واقع يومي
لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي يقتصر على الخيال العلمي أو المختبرات البحثية، بل أصبح واقعاً ملموساً يتغلغل في تفاصيل حياتنا اليومية. وفي هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية كواحدة من أسرع الدول تبنياً لهذه التقنيات، حيث كشف تقرير “إنترنت السعودية 2025” الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، عن أنماط استخدام الذكاء الاصطناعي في السعودية، مقدماً صورة واضحة عن كيفية توظيف السعوديين لهذه الأدوات المتقدمة في مختلف جوانب حياتهم، بدءاً من البحث عن معلومة بسيطة وصولاً إلى إنجاز المهام المهنية المعقدة.
رؤية 2030: المحرك الاستراتيجي لتبني الذكاء الاصطناعي
يأتي هذا الإقبال الواسع على أدوات الذكاء الاصطناعي ليس من قبيل الصدفة، بل هو نتاج مباشر للتوجه الاستراتيجي الذي تقوده رؤية السعودية 2030، والتي تضع التحول الرقمي والابتكار التقني في صميم أهدافها لبناء اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة. وقد تجسد هذا الاهتمام الرسمي بإنشاء الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) في عام 2019، لتكون المظلة الوطنية التي تقود الجهود وتضع الاستراتيجيات المتعلقة بالبيانات والذكاء الاصطناعي، بهدف الارتقاء بالمملكة إلى مصاف الدول الرائدة عالمياً في هذا المجال. إن انتشار استخدام هذه التقنيات بين المواطنين يعكس نجاح هذه السياسات في تعزيز الوعي الرقمي وتوفير البنية التحتية اللازمة التي تشجع على الابتكار والاستكشاف.
خريطة استخدامات السعوديين للذكاء الاصطناعي
أظهر التقرير أن 80.8% من المستخدمين يوظفون أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث عن المعلومات، مما يجعله الاستخدام الأكثر شيوعاً. وتأتي عملية “توليد الأفكار” في المرتبة الثانية بنسبة 40.1%، مما يشير إلى دور الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي للمستخدمين. كما حظي قطاع “الدراسة والتعليم” باهتمام كبير، حيث بلغت نسبة استخدامه 37.7%، وهو ما يعكس تحولاً في أساليب التعلم والبحث الأكاديمي لدى الطلاب والباحثين. وتشمل الاستخدامات الأخرى:
- إنشاء الصور والفيديو والعروض التقديمية: 25.7%
- الترجمة اللغوية: 25.1%
- المهام المرتبطة بالعمل: 17.3%
- كتابة النصوص: 14.3%
- البرمجة والمهام التقنية: 13.5%
الشباب والنساء يقودون دفة الاستخدام
كشفت الأرقام عن تفوق واضح لفئة الشباب، حيث تصدرت الفئة العمرية من 20 إلى 29 عاماً قائمة الأكثر استخداماً بنسبة 55.7%. وعلى صعيد الجنس، سجلت الإناث نسبة استخدام بلغت 52.8% متفوقات على الذكور الذين بلغت نسبتهم 39.4%. وتبرز الإناث بشكل خاص في مجالي الدراسة والتعليم (42.4%) وإنشاء المحتوى المرئي (29.7%)، مما يدل على دورهن الفاعل في توظيف التقنية لأغراض معرفية وإبداعية.
تبوك في الصدارة: سباق المناطق نحو المستقبل الرقمي
على المستوى الجغرافي، تصدرت منطقة تبوك جميع مناطق المملكة في نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بنسبة بلغت 58.5%، تلتها المنطقة الشرقية بنسبة 53.8%، ثم منطقة المدينة المنورة بنسبة 50.8%. ويعكس هذا التوزيع الجغرافي مدى انتشار الثقافة الرقمية في مختلف أنحاء المملكة، ويشير إلى أن تبني التقنيات المتقدمة لم يعد حكراً على المدن الكبرى. إن هذا الانتشار الواسع يمهد الطريق لتحقيق تنمية متوازنة ويعزز من القدرة التنافسية للمملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي، ويؤكد على أن المجتمع السعودي يسير بخطى واثقة نحو مستقبل يعتمد بشكل كبير على البيانات والذكاء الاصطناعي.


