يسود هدوء نسبي المواجهة العسكرية المباشرة في أول تراجع ملحوظ لوتيرة القصف منذ أسبوعين، لكن حالة الترقب بين واشنطن وطهران لا تزال تخيم على المنطقة. ففيما أكدت وزارة الصحة الإيرانية عدم تسجيل أي هجمات أو خسائر بشرية جديدة خلال الساعات الماضية، تتجه الأنظار إلى البيت الأبيض حيث يدرس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيارات تصعيد العمليات العسكرية، مما يبقي الوضع على حافة الهاوية.
جذور التوتر.. من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغط الأقصى
لم يأتِ هذا التوتر من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات سياسية وعسكرية على مدى سنوات. تعود جذور الأزمة الحالية بشكل مباشر إلى قرار إدارة ترامب عام 2018 بالانسحاب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 مع إيران، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية ضمن ما يعرف بسياسة “الضغط الأقصى”. هدفت هذه السياسة إلى شل الاقتصاد الإيراني وإجباره على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية، لكنها أدت في المقابل إلى تصعيد إيراني مضاد تمثل في سلسلة من الهجمات على مصالح نفطية وبحرية في الخليج.
خيارات ترامب العسكرية في ظل الترقب بين واشنطن وطهران
رغم الانخفاض المؤقت في وتيرة العمليات، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مصادر مطلعة أن الرئيس ترامب عقد اجتماعاً مع كبار مستشاريه لبحث خيارات توسيع نطاق الهجوم ضد إيران. وأكد ترامب بنفسه أنه لم يحسم قراره بعد، لكنه شدد على جاهزية القوات الأمريكية، قائلاً: “نحن على أهبة الاستعداد وجاهزون للتحرك، لكننا ما زلنا نجري محادثات معهم”. وفي إشارة إلى القدرات الإيرانية، أضاف: “لم يتبق لدى إيران الكثير من المسيرات”. ووضع ترامب طهران أمام خيارين: إما التوصل إلى اتفاق، أو مواجهة مستوى “أعنف بكثير” من الضربات. وفي خضم هذا التصعيد، تتحرك جهود دبلوماسية خجولة، حيث نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر باكستانية أن إسلام آباد تستكشف مساراً لاستئناف المحادثات المتعثرة بين الطرفين، في مسعى بادرت به الصين.
تداعيات إقليمية ودولية لأزمة متصاعدة
تتجاوز أهمية هذا الصراع حدوده الثنائية، لترسم ملامح مستقبل الأمن في الشرق الأوسط بأكمله. فأي مواجهة عسكرية واسعة النطاق لن تقتصر على الولايات المتحدة وإيران، بل ستجر دول المنطقة إلى أتون حرب مدمرة، وستكون لها تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي. ويمثل مضيق هرمز، الذي اندلعت الأزمة الحالية بالقرب منه قبل أشهر، الشريان الحيوي لنحو خُمس إمدادات النفط العالمية. إن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي سيؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار الطاقة، ويهدد بإدخال الاقتصاد العالمي في حالة من الركود، وهو ما يفسر حالة القلق الدولي ومحاولات الوساطة المستمرة لاحتواء الموقف.


