خطوة استراتيجية نحو الحوكمة الرشيدة
في خطوة تعكس الإرادة الصلبة للمملكة العربية السعودية في مكافحة الفساد وتجفيف منابعه، أقر مجلس الوزراء اللائحة التنفيذية التي تنظم صلاحيات نزاهة في قضايا الفساد. يأتي هذا القرار كإطار قانوني متكامل يهدف إلى تنظيم إجراءات التحقيق والادعاء في الجرائم المتعلقة بالفساد، وتحديد الصلاحيات التنفيذية الممنوحة للمحققين والمدعين العامين ورؤساء الوحدات والفروع في هيئة الرقابة ومكافحة الفساد “نزاهة”، بما يضمن تعزيز كفاءة وسرعة مباشرة القضايا وتحقيق العدالة الناجزة.
تستند هذه الخطوة إلى مسيرة طويلة من الإصلاحات الهيكلية التي شهدتها المملكة، والتي تضع الشفافية والمساءلة في صميم أهدافها. فمنذ تأسيس هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، عملت المملكة على تطوير أدواتها التشريعية والتنفيذية لمواجهة هذه الآفة التي تعيق التنمية وتقوض ثقة المستثمرين. وتعتبر هذه اللائحة الجديدة تتويجًا لهذه الجهود، حيث توفر الوضوح اللازم للممارسين في الميدان وتضع ضوابط دقيقة توازن بين فعالية الإجراءات وحماية حقوق الأفراد، بما ينسجم مع أهداف رؤية المملكة 2030 التي تسعى إلى بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي ووطن طموح قائم على أسس من النزاهة والحوكمة.
أبرز ملامح لائحة صلاحيات نزاهة في قضايا الفساد
تضمنت اللائحة الجديدة، التي تتألف من 21 مادة موزعة على أربعة أبواب، تفصيلاً دقيقاً للصلاحيات الممنوحة للهيئة في مختلف مراحل الدعوى الجزائية. وأكدت على أن “نزاهة” ستتولى تطبيق جميع الأحكام الواردة في نظام الإجراءات الجزائية ولائحته التنفيذية خلال مراحل الاستدلال والتحقيق والمحاكمة في جرائم الفساد. وبموجب هذه اللائحة، يُمنح رجال الضبط الجنائي والمحققون والمدعون العامون الصلاحيات النظامية اللازمة لأداء مهامهم بكفاءة، كلٌ في نطاق اختصاصه.
ومنحت اللائحة رؤساء الدوائر والفروع صلاحية إصدار أوامر تفتيش المساكن، وطلب ضبط الأموال والأرصدة والحجز عليها، والأمر بحفظ الأوراق، وسماع الشهادة خارج نطاق الاختصاص المكاني. كما خوّلت الجهات المختصة بإصدار أوامر التوقيف وتمديدها ضمن الحدود النظامية، على ألا تتجاوز مدة التوقيف الإجمالية 40 يومًا من تاريخ القبض، إلا وفقًا للإجراءات النظامية المعتمدة، مما يضع ضمانات إجرائية واضحة. ونصت اللائحة كذلك على أن أوامر حفظ الدعوى والإفراج عن المتهم الموقوف في الجرائم الكبرى لا تصبح نافذة إلا بعد تصديق الرئيس المختص، وهو ما يضيف طبقة إضافية من الرقابة والمراجعة لضمان سلامة القرارات.
تعزيز مناخ الاستثمار والثقة الدولية
لا يقتصر تأثير هذه اللائحة على الجانب المحلي فحسب، بل يمتد ليشمل الأبعاد الإقليمية والدولية. فوجود إطار قانوني واضح وفعال لمكافحة الفساد يعزز من ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في بيئة الأعمال السعودية، ويؤكد على أن المملكة وجهة آمنة للاستثمارات تحميها سيادة القانون. كما أن هذه التشريعات تساهم في تحسين تصنيف المملكة في مؤشرات مدركات الفساد والحوكمة العالمية، مما يعكس التزامها بالمعايير الدولية ويعزز مكانتها كشريك موثوق على الساحة العالمية. إن تنظيم إجراءات الاعتراض والتظلم من بعض الإجراءات، وآلية التعامل مع المخالفات الوظيفية لأعضاء الهيئة، يؤكد على أن السلطة الممنوحة تأتي معها مسؤولية ومساءلة، وهو حجر الزاوية في أي نظام رقابي فعال. وبنشر اللائحة في الجريدة الرسمية وبدء العمل بها، تدخل جهود مكافحة الفساد في المملكة مرحلة جديدة من النضج المؤسسي والفعالية الإجرائية.


