في تطور سياسي بارز يعمق حالة عدم اليقين في بنغلاديش، أعلن الرئيس محمد شهاب الدين، اليوم (الجمعة)، عن استقالة رئيس بنغلاديش من منصبه، مرجعاً قراره إلى تدهور حالته الصحية. تأتي هذه الخطوة في وقت حرج تمر به البلاد، بعد أشهر قليلة من الإطاحة بحكومة رئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة إثر احتجاجات شعبية عارمة، مما يمثل نهاية رمزية لآخر حلفائها البارزين في هرم السلطة.
وأوضح مكتب الرئيس في بيان رسمي أن شهاب الدين (76 عاماً) قرر التنحي بعد أن أكدت الفحوص الطبية إصابته بمرض الاعتلال العصبي اللاإرادي (Autonomic Neuropathy)، وهو اضطراب قد يؤدي إلى فقدان الوعي بشكل مفاجئ. ونقل البيان عن الرئيس المستقيل قوله: “أظهرت الفحوص الطبية الأخيرة إصابتي بمرض الاعتلال العصبي اللاإرادي، وبسبب هذه الحالة أعاني أحياناً من فقدان مؤقت للوعي، لذلك قررت الاستقالة من منصبي”.
زلزال سياسي مستمر وتداعيات سقوط حكومة حسينة
تأتي هذه الاستقالة لتضيف فصلاً جديداً إلى الاضطرابات السياسية التي شهدتها بنغلاديش خلال عام 2024. ففي أغسطس الماضي، أدت احتجاجات واسعة النطاق قادها الطلاب، عُرفت بـ”حركة إصلاح الحصص”، إلى شل البلاد وأجبرت الشيخة حسينة، التي حكمت بقبضة حديدية لأكثر من 15 عاماً، على الاستقالة والفرار إلى الهند. كانت فترة ولاية الرئيس شهاب الدين، الذي تولى منصبه في أبريل 2023، قد شهدت هذه المرحلة المضطربة، حيث تحول منصبه الشرفي إلى حد كبير إلى واجهة لنظام واجه غضباً شعبياً متصاعداً بسبب قضايا الفساد والقمع السياسي.
ويُنظر إلى شهاب الدين على أنه كان من المقربين سياسياً من الشيخة حسينة، وجاء تعيينه ضمن مساعيها لتعزيز نفوذ حزبها “رابطة عوامي”. ومع رحيلها، أصبح وجوده في الرئاسة يمثل استمرارية رمزية لحقبة يسعى الكثيرون في بنغلاديش إلى تجاوزها. وبالتالي، فإن استقالته لا تُقرأ فقط من منظور صحي، بل كخطوة تسرّع من تفكيك إرث حكومة حسينة بالكامل.
استقالة رئيس بنغلاديش: نهاية حقبة ومسار دستوري جديد
وفقاً للدستور البنغلاديشي، سيتولى رئيس البرلمان مهام رئيس الجمهورية بشكل مؤقت إلى حين انتخاب رئيس جديد. ورغم أن منصب الرئيس في بنغلاديش بروتوكولي إلى حد كبير، حيث تتركز السلطة التنفيذية في يد رئيس الوزراء ومجلسه، إلا أن هذه الخطوة تحمل دلالات سياسية هامة. فهي تفتح الباب أمام الحكومة المؤقتة الحالية، التي يقودها الحائز على جائزة نوبل للسلام محمد يونس، لترسيخ سلطتها وإعادة تشكيل المشهد السياسي دون وجود أي من رموز النظام السابق في المناصب السيادية العليا.
تواجه الحكومة الانتقالية تحديات جسيمة، أبرزها استعادة الاستقرار الاقتصادي والسياسي، والتحضير لانتخابات حرة ونزيهة، ومعالجة الانقسامات العميقة في المجتمع. وتراقب القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك الهند والصين والولايات المتحدة، التطورات في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه نحو 173 مليون نسمة، نظراً لموقعه الاستراتيجي وأهميته الاقتصادية. وتمثل استقالة الرئيس خطوة إضافية نحو مستقبل سياسي غامض، ولكنه قد يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الديمقراطية والإصلاح في تاريخ بنغلاديش الحديث.


