يشهد المسرح الدبلوماسي فصلاً جديداً من التوتر المتصاعد بين إيران والدول الغربية، حيث وجهت فرنسا اتهاماً مباشراً للسلطات الإيرانية باحتجاز اثنين من دبلوماسييها في طهران، في خطوة وصفتها باريس بأنها “غير مقبولة”. وتزامن هذا التطور مع إعلان المملكة المتحدة سحب ما تبقى من طاقم سفارتها بشكل مؤقت، عازية قرارها إلى تدهور الأوضاع الأمنية. هذه الأحداث المتزامنة تشير إلى تآكل الثقة وتفاقم الأزمة، مما يضع العلاقات الدبلوماسية عند منعطف حرج ويعمق حالة عدم اليقين في المنطقة.
تأتي هذه المواجهة في سياق تاريخي من العلاقات المعقدة والمتوترة بين إيران والقوى الغربية، والتي شهدت تدهوراً ملحوظاً منذ انهيار الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) وما تلاه من إعادة فرض للعقوبات. ولطالما اتُهمت طهران باستخدام ما يُعرف بـ “دبلوماسية الرهائن”، عبر احتجاز مواطنين أجانب، بمن فيهم مزدوجو الجنسية، لاستخدامهم كورقة ضغط في المفاوضات السياسية. الحادثة الأخيرة تكتسب خطورة إضافية كونها تستهدف دبلوماسيين يتمتعون بحصانة بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، مما يمثل خرقاً صارخاً للأعراف الدولية.
انتهاك للأعراف الدبلوماسية
أعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو، يوم الخميس، أن عناصر أمن إيرانية أوقفت “بعنف” دبلوماسيين فرنسيين يعملان في طهران واحتجزتهما لنحو أربع ساعات. وأوضح بارو أن الدبلوماسيين كانا في مهمة رسمية تهدف إلى دعم المجتمع المدني الإيراني، معتبراً الحادثة تصعيداً جديداً وغير مبرر في تعامل السلطات الإيرانية مع البعثات الدبلوماسية الأجنبية. وأدانت باريس بشدة هذا الإجراء، مطالبة بتوضيحات فورية من طهران، ومؤكدة أن مثل هذه التصرفات تقوض بشكل خطير إمكانية الحفاظ على قنوات اتصال بناءة.
لندن تتخذ خطوات احترازية وسط مخاوف أمنية
في خطوة متزامنة تعكس حجم القلق الغربي، أعلنت وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية (FCDO) عن سحب مؤقت لما تبقى من أفراد بعثتها الدبلوماسية في إيران. وأكدت الوزارة أن السفارة ستواصل تقديم خدماتها عن بعد حتى إشعار آخر، موضحة أن القرار جاء نتيجة “التدهور المستمر في الوضع الأمني”. ويعد هذا الإجراء هو الثاني من نوعه الذي تتخذه لندن هذا العام، مما يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي يواجهها الموظفون الدبلوماسيون في البلاد. وجددت الحكومة البريطانية تحذيرها الشديد لرعاياها من السفر إلى إيران، داعية الموجودين هناك إلى إعادة تقييم ضرورة بقائهم في ظل الظروف الراهنة.
مخاطر الاعتقال تلاحق مزدوجي الجنسية
أكدت الخارجية البريطانية أن المواطنين البريطانيين، وبشكل خاص مزدوجي الجنسية (البريطانية-الإيرانية)، يواجهون “خطراً مرتفعاً للغاية بالتعرض للاعتقال أو الاحتجاز أو الاستجواب”. وحذرت من أن مجرد حمل جواز سفر بريطاني أو الاشتباه بوجود صلات بالمملكة المتحدة قد يكون سبباً كافياً للاحتجاز التعسفي من قبل السلطات الإيرانية. وأشارت إلى أن قدرة الحكومة البريطانية على تقديم الدعم القنصلي داخل إيران أصبحت محدودة للغاية، مما يجعل أي طارئ يواجه مواطنيها أمراً بالغ الصعوبة. ويتزامن هذا التحذير مع استمرار احتجاز الزوجين البريطانيين كريغ فورمان وزوجته ليندسي، اللذين حُكم عليهما بالسجن لمدة عشر سنوات بتهمة التجسس التي ينفيانها بشدة، مما يضيف بعداً إنسانياً معقداً إلى هذا التوتر الدبلوماسي مع إيران.


