في خطوة تصعيدية جديدة، شهدت باحات المسجد الأقصى المبارك توتراً كبيراً بعد أن قاد وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، عملية اقتحام المسجد الأقصى على رأس مجموعة ضخمة تضم أكثر من 2,300 مستوطن إسرائيلي. جرت عملية الاقتحام صباح اليوم الخميس تحت حماية مشددة من قوات الشرطة الإسرائيلية التي فرضت طوقاً أمنياً وقيوداً صارمة على دخول المصلين المسلمين إلى المسجد، مما أثار موجة غضب واسعة النطاق وردود فعل منددة على المستويين الفلسطيني والعربي.
تصعيد خطير واستفزازات في باحات الأقصى
لم تقتصر عملية الاقتحام على مجرد الدخول إلى باحات المسجد، بل تخللتها ممارسات استفزازية من قبل المستوطنين، حيث قاموا برفع العلم الإسرائيلي وأداء طقوس تلمودية علنية، بما في ذلك ما يُعرف بـ”السجود الملحمي”، وترديد الأناشيد بصوت مرتفع في المنطقة الشرقية من المسجد. وأفادت مصادر فلسطينية بأن الشرطة الإسرائيلية سهّلت هذه الممارسات عبر نصب مظلة للمستوطنين وتوفير الحماية لهم، بينما منعت في المقابل عدداً كبيراً من المصلين الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد لأداء صلاة الفجر، واعتدت بالضرب على بعضهم. وتأتي هذه الخطوة في سياق دعوات أطلقتها جماعات “الهيكل” المتطرفة لحشد أكبر عدد ممكن من المستوطنين لاقتحام الأقصى، في محاولة لفرض واقع جديد وتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي الشريف.
خلفية تاريخية وحساسية الوضع القائم
يكتسب المسجد الأقصى، وهو ثالث أقدس الأماكن لدى المسلمين، أهمية دينية وتاريخية كبرى، ويقع في قلب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، ظل الوضع القائم (الستاتيكو) ينص على أن إدارة الأوقاف الإسلامية الأردنية هي المسؤولة عن إدارة شؤون الحرم، مع السماح لغير المسلمين بالزيارة في أوقات محددة ولكن دون أداء أي طقوس دينية. إلا أن الاقتحامات المتكررة من قبل المستوطنين والمسؤولين الإسرائيليين، والتي تزايدت وتيرتها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، يُنظر إليها على أنها انتهاك صارخ لهذا الوضع ومحاولة لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، على غرار ما حدث في المسجد الإبراهيمي بالخليل. وتعتبر مشاركة شخصية رسمية بحجم بن غفير، المعروف بمواقفه المتطرفة، بمثابة إعلان سياسي يهدف إلى تقويض هذا الوضع القائم وتأجيج المشاعر الدينية.
تداعيات إقليمية وإدانات واسعة بعد اقتحام المسجد الأقصى
أثار اقتحام المسجد الأقصى ردود فعل غاضبة ومنددة. فقد أكدت وزارة الأوقاف الإسلامية في القدس أن هذه الاقتحامات “انتهاك صارخ” وأن الأقصى حق خالص للمسلمين وحدهم. من جانبها، أدانت وزارة الخارجية الأردنية، بصفتها صاحبة الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، الاقتحام بشدة، محذرة من عواقب هذه الاستفزازات التي تدفع بالمنطقة نحو مزيد من التوتر والعنف. كما صدرت إدانات مماثلة من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، اللتين حملتا الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذه الانتهاكات. إن مثل هذه الأحداث لا تؤثر فقط على الوضع المحلي في القدس، بل تمتد تداعياتها لتهدد الاستقرار الإقليمي بأكمله، وتزيد من تعقيد أي جهود دولية لإحياء عملية السلام، كونها تمس بأكثر القضايا حساسية لدى مئات الملايين من المسلمين حول العالم.


