تصعيد خطير في جبهات القتال
في تصعيد جديد للصراع الممتد، تبادلت موسكو وكييف الضربات العنيفة، حيث شهدت الساعات الأخيرة تكثيفاً ملحوظاً في وتيرة الهجمات الروسية الأوكرانية التي استهدفت أهدافاً عسكرية وبنى تحتية حيوية في عمق أراضي الطرفين. فبينما أعلنت روسيا عن تنفيذ ضربات دقيقة على منشآت عسكرية في مدينة أوديسا الساحلية، ردت أوكرانيا بإطلاق أسراب من الطائرات المسيرة التي وصلت إلى مناطق اقتصادية وصناعية داخل روسيا، مما يعكس تحولاً في استراتيجيات المواجهة ودخول الحرب مرحلة جديدة من استهداف العمق الاستراتيجي لكل طرف.
يأتي هذا التصعيد في سياق الحرب التي بدأت في فبراير 2022، والتي شهدت تحولات تكتيكية كبرى. فبعد المراحل الأولى من القتال البري الواسع، تحول الصراع بشكل متزايد إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، تعتمد فيها القوتان بشكل كبير على الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة لتعطيل خطوط الإمداد، وتدمير القدرات الصناعية العسكرية، وإضعاف الروح المعنوية للخصم. وتعتبر هذه الهجمات المتبادلة جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحقيق تفوق عسكري واقتصادي في ساحة المعركة الممتدة.
تصعيد الهجمات الروسية الأوكرانية: استهداف البنية التحتية
أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها نفذت خلال الليلة الماضية ضربات جماعية باستخدام أسلحة عالية الدقة وطائرات مسيرة ضد أهداف داخل أوكرانيا. وأوضحت أن القصف في مدينة أوديسا استهدف ورشة لإنتاج مكونات الطائرات المسيرة، بالإضافة إلى مستودعات في الميناء التجاري تستخدم لتخزين وتفريغ شحنات ذات أغراض عسكرية. في المقابل، أفادت السلطات الأوكرانية بوقوع انفجارات جديدة في مدينة سومي شمال شرقي البلاد، بالتزامن مع دوي صفارات الإنذار، بعد ساعات قليلة من الإبلاغ عن انفجار سابق في المدينة.
على الجانب الآخر، كثفت كييف من هجماتها بالطائرات المسيرة على العمق الروسي، مستهدفة منشآت اقتصادية. وأعلن حاكم مقاطعة فورونيج الروسية، ألكسندر غوسيف، عن مقتل طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات وإصابة ثلاثة أشخاص آخرين، إثر هجوم بطائرات مسيرة أوكرانية استهدف المقاطعة. وأشار إلى أن أنظمة الدفاع الجوي الروسية أسقطت 36 طائرة مسيرة. كما تعرضت مستودعات تابعة لشركة “وايلدبيريز”، أكبر منصة للتجارة الإلكترونية في روسيا، في كراسنودار ونيفينوميسك لهجمات مماثلة، مما أسفر عن مقتل شابة وإصابة ثلاثة آخرين.
أبعاد استراتيجية وتداعيات إنسانية
تحمل هذه الهجمات المتبادلة دلالات استراتيجية هامة؛ فقدرة أوكرانيا على ضرب أهداف اقتصادية في العمق الروسي تهدف إلى نقل الحرب إلى الداخل الروسي وتعطيل الحياة الطبيعية والضغط على الاقتصاد. وفي هذا السياق، صرح الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، بأن الأهداف الأخيرة كانت مراكز لوجستية تستخدم في إمداد القوات الروسية بمكونات الطائرات المسيرة ومعدات عسكرية أخرى. من جهته، نفى الكرملين أي دور لشركة “وايلدبيريز” في توريد إمدادات عسكرية، مؤكداً أن نشاطها تجاري بحت.
إن استهداف البنى التحتية والمرافق الاقتصادية من كلا الجانبين لا يؤدي فقط إلى خسائر مادية فادحة، بل يتسبب أيضاً في سقوط ضحايا مدنيين، مما يزيد من المأساة الإنسانية للصراع. كما أن هذه الاستراتيجية تعقد أي جهود دبلوماسية مستقبلية، حيث يرفع كل طرف من سقف عملياته العسكرية، مما يجعل العودة إلى طاولة المفاوضات أمراً أكثر صعوبة. ويراقب المجتمع الدولي بقلق هذا التصعيد الذي يهدد بتوسيع نطاق الحرب وزيادة تأثيرها على الأمن الإقليمي واستقرار أسواق الطاقة العالمية.


