تصريحات تهز طهران وتكشف خبايا الحكم
في تصريحات مفاجئة أثارت عاصفة من الجدل داخل الأوساط السياسية الإيرانية، كشف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أنه لم يلتقِ بعد بالمرشد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، منذ توليه المنصب خلفاً لوالده. هذا الاعتراف، الذي جاء خلال مقابلة مع المخرج الوثائقي جواد موغويي على منصة “يوتيوب”، لم يكن مجرد معلومة عابرة، بل فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات عميقة حول آليات انتقال السلطة وهيكلية صناعة القرار في أعلى مستويات النظام الإيراني في مرحلة ما بعد علي خامنئي.
تأتي هذه التصريحات في فترة بالغة الحساسية لإيران، التي تشهد تحولاً تاريخياً في قمة هرم السلطة. فمنصب المرشد الأعلى، الذي شغله علي خامنئي لعقود، يمثل السلطة المطلقة في البلاد، وصاحب الكلمة الفصل في كافة القضايا الاستراتيجية، بما في ذلك الملف النووي والعلاقات الخارجية. وبالتالي، فإن غياب التواصل المباشر بين شخصية محورية مثل وزير الخارجية والمرشد الجديد يثير تكهنات حول مدى استقرار عملية انتقال السلطة ودور المرشد الفعلي في إدارة شؤون الدولة اليومية.
كواليس المفاوضات مع واشنطن: لجنة مصغرة لإدارة الأزمات
لم يقتصر عراقجي في حديثه على مسألة لقائه بالمرشد، بل غاص في تفاصيل أكثر حساسية تتعلق بإدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة. فقد أوضح أن القرارات المتعلقة بمذكرة التفاهم مع واشنطن لم تكن تُتخذ من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي بكامل هيئته، كما هو مفترض، بل عبر “لجنة مصغرة” مكونة من ستة أعضاء فقط. ضمت هذه اللجنة شخصيات نافذة مثل الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، بالإضافة إلى عراقجي نفسه وعضوين آخرين لم يكشف عن هويتهما.
وبرر عراقجي وجود هذه اللجنة بـ”صعوبة التواصل مع القيادة العليا” في تلك الفترة، مشيراً إلى أن اللجنة كانت تتخذ القرارات الفورية والضرورية. هذا الكشف لا يسلط الضوء فقط على مركزية القرار في يد قلة من المسؤولين، بل يلمح أيضاً إلى وجود تحديات بيروقراطية أو سياسية كانت تعيق الآليات المعتادة لصنع القرار، مما استدعى تشكيل هيكل موازٍ أكثر مرونة وسرعة.
تداعيات المقابلة المحذوفة ودلالاتها السياسية
لم تمر هذه التصريحات مرور الكرام. فبعد ساعات قليلة من نشر المقابلة، تم حذفها بالكامل من على المنصة، في خطوة فسّرها المراقبون على أنها نتيجة لضغوط من جهات عليا لم ترغب في كشف هذه “الأسرار الداخلية”. وقد شنت وسائل إعلام إيرانية مقربة من التيار المحافظ، مثل صحيفة “جوان” التابعة للحرس الثوري، هجوماً لاذعاً على عراقجي، متهمة إياه بإفشاء معلومات حساسة تمس الأمن القومي وتكشف كيفية إدارة الدولة في أوقات الأزمات. إن الجدل الذي أثارته المقابلة يعكس حالة الانقسام والصراع على النفوذ داخل أروقة الحكم في طهران، ويؤكد أن المرحلة الانتقالية التي تمر بها إيران بعد رحيل علي خامنئي لا تزال محفوفة بالغموض والتحديات، خاصة فيما يتعلق بمدى سلطة المرشد الإيراني الجديد وقدرته على إحكام قبضته على جميع مفاصل الدولة.


