في تصريح يعكس حجم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من أن السياسات الغربية قد تدفع دولاً إلى اعتبار امتلاك السلاح النووي “السبيل الوحيد” لحماية سيادتها وأمنها القومي. جاءت تصريحات لافروف النارية خلال مؤتمر صحفي في مانيلا، عقب مشاركته في اجتماعات مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، لتلقي بظلالها على مستقبل منظومة الأمن العالمي وتثير تساؤلات حول جدوى اتفاقيات منع الانتشار النووي في ظل الاستقطاب الدولي الحالي.
تأتي هذه التحذيرات في سياق تاريخي معقد. فبعد نهاية الحرب الباردة، ساد تفاؤل بإمكانية بناء عالم أكثر استقراراً وخالٍ من الأسلحة النووية، وهو ما تجسد في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) التي قامت على توازن دقيق بين حق الدول في استخدام الطاقة النووية السلمية والتزام القوى النووية بنزع سلاحها تدريجياً. لكن العقود الأخيرة شهدت تآكلاً في هذه المنظومة، حيث أدى انسحاب واشنطن من اتفاقيات أمنية رئيسية، مثل الاتفاق النووي مع إيران، إلى تقويض الثقة في الدبلوماسية كأداة لحل النزاعات، مما يعزز الحجة القائلة بأن القوة العسكرية، وفي قمتها الردع النووي، هي الضمانة الحقيقية الوحيدة.
تصدعات في بنية الأمن العالمي
اعتبر لافروف أن تجاهل الهواجس الأمنية المشروعة للدول والتلويح المستمر باستخدام القوة يرسخ قناعة لدى الكثيرين بأن السلاح النووي هو الحل الأوحد لضمان السيادة. ووصف هذا التوجه بأنه “مؤسف للغاية”، لكنه أشار إلى أنه “نتيجة مباشرة لتصرفات واشنطن وحلفائها”. وتتجاوز تداعيات هذا الخطاب حدود أوروبا لتصل إلى مناطق حيوية أخرى، حيث أعرب الوزير الروسي عن قلقه من استمرار النزاع الإيراني الأمريكي وتأثيره المباشر على أمن الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، مؤكداً أن هذا الصراع لا يصب في مصلحة أي طرف.
وأشار لافروف إلى أن حالة عدم اليقين تفاقمت بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، ملمحاً إلى أن مثل هذه الخطوات الأحادية تهدد استقرار الاقتصاد العالمي الذي تعد روسيا جزءاً أصيلاً منه رغم العقوبات المفروضة عليها. وفي هذا الإطار، رفض بشدة ما وصفه بـ”المبالغات والادعاءات” الغربية التي تتهم موسكو وبكين بتزويد طهران بأسلحة تُستخدم لمهاجمة المصالح الأمريكية، مشدداً على أن مصلحة بلاده تكمن في وقف التصعيد لضمان استقرار أسعار الطاقة ومنع حدوث هزات في السوق الدولية.
الأزمة الأوكرانية ومستقبل الحوار
فيما يتعلق بالشأن الأوكراني، استبعد لافروف وجود أي “نية حسنة” لدى الطرف الغربي، واصفاً مبادرات الأمم المتحدة بأنها “أحادية الجانب” ولا تعالج الأسباب الجذرية للنزاع. وكشف عن لقاء مرتقب سيجمعه مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو، لبحث تداعيات الأزمة، مستحضراً تصريحات سابقة للرئيس دونالد ترمب حول إمكانية الوصول إلى اتفاق سلام ينهي الصراع. وشدد لافروف على أنه إذا لم تُعالج أسباب وجذور الأزمة الأوكرانية، فلن يكون هناك الكثير مما يمكن مناقشته.
وفي مواجهة الضغوط، أكد لافروف أن آسيا لن تكون ساحة خلفية لأحد، وأن موسكو ستواصل تعزيز روابطها مع القوى الصاعدة في المنطقة بعيداً عن الإملاءات الغربية. وأعلن أن موسكو وشركاءها شرعوا فعلياً في تنفيذ “إعلان كازان”، الذي يركز على الاعتماد على العملات الوطنية في التبادل التجاري للالتفاف على العقوبات، وتعزيز الشراكة الرقمية في مجالات تكنولوجيا الفضاء واقتصاد المنصات، مع تأكيد دور روسيا كضامن لاستقرار أسعار الوقود عالمياً رغم محاولات عزلها اقتصادياً.


