في خطوة تحمل دلالات سياسية وسيادية عميقة، تفقد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بلدة زوطر الغربية في جنوب لبنان، معلناً من هناك عن بدء المسار العملي لتحقيق انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية. ورافقه في هذه الزيارة التاريخية وفد رسمي رفيع المستوى ضم وزير الدفاع ميشال منسّى، ورئيس الأركان اللواء الركن حسان عودة، والأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء الركن محمد المصطفى، إلى جانب عدد من المسؤولين المعنيين بملفات الإنماء والإغاثة، مما يعكس الأهمية التي توليها الدولة لهذه اللحظة الفارقة.
تأتي هذه الزيارة غداة دخول وحدات الجيش اللبناني إلى زوطر الغربية، التي تم اختيارها لتكون المنطقة التجريبية الأولى لتطبيق “اتفاق الإطار وآلية التنسيق الميداني”. ويشكل دخول الجيش وتوليه المهام الأمنية، بما في ذلك المسح الهندسي، الاختبار الميداني الأول لآلية بسط سيادة الدولة تمهيداً لانسحاب إسرائيلي متدرج ومنظم.
لحظة تاريخية في جنوب لبنان
تمثل هذه الخطوة تتويجاً لعقود من الصمود والنضال لأهالي الجنوب ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ منذ عام 1978 وتوسع في عام 1982. لطالما كانت بلدات الجنوب، ومنها زوطر الغربية، في قلب المواجهة، وقدمت تضحيات جسيمة في سبيل التحرير. إن بدء تطبيق آلية الانسحاب من هذه البلدة يحمل رمزية كبيرة، فهو لا يعني فقط استعادة الأرض، بل هو اعتراف بتضحيات أهلها وتأكيد على حق لبنان في بسط سيطرته على كامل ترابه الوطني، تطبيقاً للقرارات الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها القرار 425.
ماذا يعني بدء الانسحاب الإسرائيلي الكامل؟
على الصعيد الوطني، يُعد انتشار الجيش اللبناني في هذه المنطقة الحساسة تأكيداً على دور المؤسسة العسكرية كضامن وحيد لأمن واستقرار البلاد، ويعزز من ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها. أما إقليمياً ودولياً، فإن نجاح هذه التجربة قد يشكل نموذجاً يمكن البناء عليه في سياق مفاوضات السلام الأوسع، ويبرهن على جدية لبنان في تنفيذ التزاماته الدولية. وأكد سلام من زوطر أن “انتشار الجيش في هذه المنطقة النمطية يمثل لحظة وطنية وسياسية فارقة تُدشّن بداية المسار العملي من أجل انسحاب إسرائيلي كامل”، مشدداً على تمسك الحكومة بتحرير كافة الأراضي اللبنانية ومواصلة حشد الجهود السياسية والدبلوماسية لتحقيق هذا الهدف.
التزام حكومي بإعادة الإعمار وعودة الأهالي
لم تقتصر رسالة الدولة على الجانب الأمني والعسكري، بل حملت بعداً إنسانياً وتنموياً. فقد شدد رئيس الحكومة على أن الدولة بدأت فوراً بتسخير كافة إمكاناتها لمواكبة عودة الأهالي إلى قراهم بكرامة وأمان. وأشار إلى أن القوى العسكرية ستضمن حماية العائدين بالتوازي مع فتح الطرقات، إزالة الركام، والعمل السريع على إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والاتصالات، فضلاً عن تأمين المساكن الجاهزة كحلول انتقالية. وختم سلام بالتأكيد على أن “إعادة الحياة إلى مناطق الجنوب واستعادة الاستقرار فيها يمثلان التزاماً عملياً من الدولة لتأكيد سيادة لبنان ووحدة أراضيه”.


