في خطوة بارزة لتعزيز الحوار بين الثقافات والأديان، شارك الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، ورئيس هيئة علماء المسلمين، الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، في ملتقى المواطنة والعيش المشترك الذي أقيم في مدينة أوكلاند النيوزيلندية. ونُظم هذا الحدث الهام بمبادرة من قادة التنوع الديني في نيوزيلندا، وشهد حضوراً لافتاً من ممثلي مختلف الأديان وشخصيات مجتمعية بارزة، مما يعكس الأهمية المتزايدة لترسيخ قيم التعايش في عالم يواجه تحديات متصاعدة.
جسور التفاهم في أرض السلام
تأتي إقامة هذا الملتقى في نيوزيلندا في سياق رمزي ومهم، فالبلاد قدمت للعالم نموذجاً استثنائياً في التلاحم المجتمعي والتعاطف الإنساني في أعقاب الهجمات الإرهابية المروعة على مسجدين في مدينة كرايستشيرش عام 2019. وقد أظهر المجتمع النيوزيلندي، بقيادته وشعبه، تماسكاً فريداً ورفضاً قاطعاً لخطابات الكراهية والتطرف، مما جعلها منصة مثالية لإطلاق رسائل السلام والوئام إلى العالم. إن مشاركة شخصية إسلامية عالمية بحجم الدكتور العيسى في هذا السياق تؤكد على الدعم الدولي لنموذج نيوزيلندا، وتبرز سعي رابطة العالم الإسلامي لبناء جسور تواصل حقيقية وفعالة مع المجتمعات غير المسلمة.
رؤية استراتيجية لتعزيز ملتقى المواطنة والعيش المشترك
في كلمته أمام الحضور، شدد الدكتور العيسى على ضرورة الانتقال من مجرد الدعوة إلى السلام إلى تطبيق برامج عملية ومستدامة لما أسماه “السلام الوقائي”. وأوضح أن هذا المفهوم يعتمد على ترسيخ قيم التفاهم والتعاون المتبادل، وصولاً إلى بناء وعي مشترك قائم على المبادئ الإنسانية والوطنية الجامعة التي تحتضن التنوع وتعتبره مصدر قوة وثراء. واستعرض العيسى عدداً من المبادرات العالمية التي أطلقتها الرابطة لتحقيق هذه الأهداف، ومن أبرزها مبادرة “بناء الجسور بين الشرق والغرب” التي احتضنتها الأمم المتحدة في نيويورك، ومبادرة “تحصين الشباب ضد أفكار التطرف والعنف” التي أقيمت في مقر الأمم المتحدة بجنيف. وأشار إلى أن هذه المبادرات لم تكن مجرد فعاليات عابرة، بل تبعتها برامج تنفيذية حققت مكاسب ملموسة وقابلة للقياس على أرض الواقع.
تأثير عالمي ورسالة أمل
تتجاوز أهمية هذه المشاركة حدود نيوزيلندا، لترسل رسالة قوية إلى العالم بأن العالم الإسلامي، ممثلاً بأحد أبرز منظماته العالمية، ملتزم بنهج الاعتدال والانفتاح والحوار. ففي وقت تتصاعد فيه موجات الإسلاموفوبيا وخطابات الاستقطاب، تأتي هذه الجهود لتصحح المفاهيم المغلوطة وتقدم الصورة الحقيقية للإسلام كدين يدعو للرحمة والتعايش. وعلى الصعيد المحلي، تمثل هذه المشاركة دعماً كبيراً للجالية المسلمة في نيوزيلندا، وتعزز من اندماجها الإيجابي في نسيجها الوطني المتعدد الثقافات. وقد أشاد الدكتور العيسى في ختام كلمته بالتلاحم الوطني والتماسك المجتمعي الذي يميز نيوزيلندا، معتبراً إياه نموذجاً يحتذى به في بناء مجتمعات آمنة ومزدهرة للجميع.


