في خطوة تعكس النفوذ السياسي المتزايد لجماعات الضغط وتكشف عن انقسامات عميقة داخل الحزب الديمقراطي، صعّدت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) ضغوطها على عدد من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين. وجاء هذا التحرك عبر إيقاف حملات جمع التبرعات لأكثر من 20 نائباً في مجلس النواب، كإجراء عقابي على خلفية تصويتهم لصالح تعديل يهدف إلى خفض مساعدات إسرائيل العسكرية. هذه الواقعة لا تسلط الضوء فقط على التكتيكات التي تستخدمها “أيباك” لضمان استمرارية الدعم الأمريكي لإسرائيل، بل تبرز أيضاً الصراع الأيديولوجي المتنامي بين الجناحين التقدمي والوسطي في الحزب الديمقراطي.
تعود جذور هذا التوتر إلى تصويت جرى في مجلس النواب على تعديل قدمه النائب الجمهوري توماس ماسي، والذي اقترح خفضاً بقيمة 3.3 مليار دولار من برنامج التمويل العسكري الأجنبي المخصص لإسرائيل. ورغم أن التعديل فشل في النهاية بأغلبية 314 صوتاً مقابل 104، إلا أن قائمة المؤيدين له كشفت عن تحول ملحوظ في المواقف، حتى بين شخصيات ديمقراطية بارزة مثل رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي ورئيسة الكتلة الديمقراطية كاثرين كلارك.
نفوذ “أيباك” التاريخي في السياسة الأمريكية
تُعد “أيباك” منذ تأسيسها في خمسينيات القرن الماضي، واحدة من أقوى جماعات الضغط وأكثرها تأثيراً في واشنطن. تعمل اللجنة بشكل استراتيجي على تعزيز العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية من خلال التأثير على السياسات ودعم المرشحين من كلا الحزبين الذين يتبنون مواقف مؤيدة لإسرائيل. لا يقتصر نفوذها على الضغط المباشر على المشرعين، بل يمتد إلى توجيه الدعم المالي لحملاتهم الانتخابية عبر شبكة واسعة من المانحين. إن قرار إزالة روابط التبرعات الإلكترونية من منصتها لهؤلاء النواب الديمقراطيين يمثل رسالة سياسية ومالية واضحة: أي انحراف عن خط الدعم التقليدي لإسرائيل ستكون له عواقب ملموسة.
انقسام ديمقراطي متزايد حول مساعدات إسرائيل
يعكس هذا التصويت الأخير شرخاً آخذاً في الاتساع داخل الحزب الديمقراطي. فبينما يواصل الجناح الوسطي والقيادي في الحزب، ممثلاً بزعيم الأقلية حكيم جيفريز، دعم المساعدات العسكرية غير المشروطة، يزداد صوت الجناح التقدمي الذي يطالب بإعادة تقييم هذا الدعم وربطه بمدى احترام إسرائيل للقانون الدولي وحقوق الإنسان. هذا الانقسام لم يعد يقتصر على الأصوات الجديدة في الحزب، بل امتد ليشمل شخصيات مخضرمة، مما يشير إلى أن النقاش حول السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل أصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية الحزب المستقبلية. وتأتي خطوة “أيباك” لتزيد من حدة هذا الاستقطاب، حيث كافأت من صوتوا ضد التعديل، وعاقبت من أيدوه، محولةً قضية السياسة الخارجية إلى معيار للولاء السياسي.
إن تداعيات هذا القرار قد تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد التمويل الانتخابي. فهو يضع المشرعين الديمقراطيين أمام خيار صعب بين إرضاء قاعدة ناخبيهم التقدمية المتنامية، التي تطالب بمزيد من المساءلة، وبين الحفاظ على علاقات جيدة مع جماعات ضغط قوية مثل “أيباك” قادرة على التأثير بشكل كبير في مسارهم السياسي. ومع اقتراب الانتخابات، من المرجح أن يصبح الموقف من مساعدات إسرائيل نقطة محورية في السباقات التمهيدية للحزب الديمقراطي، مما ينذر بمزيد من المواجهات السياسية في المستقبل.


