كشف تقرير حديث أعده مستشار للرئيس الإيراني ونُشر مؤخراً، عن مؤشرات مقلقة حول تصاعد وتيرة السخط الشعبي في إيران، حيث أظهرت استطلاعات رأي واسعة أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الإيرانيين يرغبون في تغييرات جوهرية وعميقة، سواء عبر إصلاحات هيكلية أو استبدال كامل للنظام السياسي القائم. التقرير الذي حمل عنوان “ماذا يريد الإيرانيون؟”، يرسم صورة قاتمة لمجتمع يعاني من ضغوط اقتصادية ونفسية هائلة، ويفقد الثقة بشكل متزايد في مؤسسات الدولة.
تأتي هذه النتائج في سياق تاريخي حافل بالاضطرابات والتحديات التي واجهت الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979. فقد شهدت إيران موجات احتجاجية متكررة على مر العقود، أبرزها “الحركة الخضراء” عام 2009 التي اندلعت بسبب خلافات حول نتائج الانتخابات الرئاسية، واحتجاجات 2017-2019 التي كانت ذات طابع اقتصادي في بدايتها قبل أن تتخذ منحى سياسياً، وصولاً إلى احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” الواسعة التي أشعلتها وفاة الشابة مهسا أميني في عام 2022. ويعكس التقرير الحالي أن جذور هذا السخط أصبحت أكثر عمقاً وتجذراً، ولم تعد تقتصر على شرائح اجتماعية أو مطالب محددة.
الأزمة الاقتصادية: المحرك الرئيسي للغضب الشعبي
يُظهر الاستطلاع أن الأزمة المعيشية الخانقة هي المحرك الأساسي لحالة الغضب السائدة. فقد أكد أكثر من 81% من المشاركين أنهم يواجهون صعوبة في توفير الغذاء لأسرهم، بينما يعجز 75% عن تحمل تكاليف الرعاية الصحية. كما أفاد 54% بأن دخولهم الشهرية لا تكفي لتغطية نفقاتهم الأساسية، في حين لا يتمكن سوى 8% فقط من ادخار أي جزء من أموالهم. هذه الأرقام لا تعكس مجرد صعوبات اقتصادية عابرة، بل تشير إلى انهيار في مستوى المعيشة لدى غالبية السكان، مما يولد شعوراً باليأس والإحباط. وعند سؤالهم عن الأسباب، حمّل 46.9% المسؤولية لـ”سوء الإدارة” الحكومي، بينما ألقى 26.3% باللوم على “الفساد” المستشري، في مقابل 20.7% فقط اعتبروا العقوبات الأجنبية هي السبب الرئيسي.
تآكل الثقة وأبعاده المستقبلية لـ السخط الشعبي في إيران
لا يقتصر الأمر على المعاناة الاقتصادية، بل يمتد إلى أزمة ثقة عميقة بين الشعب ومؤسسات الدولة. فقد أعرب حوالي 60% من المستطلعة آراؤهم عن عدم ثقتهم بالحكومة والبرلمان والسلطة القضائية والإعلام الرسمي. كما قيّم أكثر من 61% أداء المسؤولين الحكوميين بأنه سلبي. هذا الانفصال بين الحكام والمحكومين يمثل تحدياً كبيراً لاستقرار النظام على المدى الطويل. إن استمرار هذا الوضع قد يدفع البلاد نحو مزيد من الاضطرابات الداخلية، مما قد يؤثر على سياسات إيران الإقليمية ودورها في المنطقة، حيث أن أي انشغال جدي بالشأن الداخلي قد يحد من قدرة طهران على التأثير في الساحات الخارجية. ورغم أن التقرير يشير إلى أن الأجهزة الأمنية الإيرانية طورت قدرات واسعة لقمع أي تحرك يهدد النظام، إلا أنه يخلص إلى أن مؤشرات الاحتقان السياسي والاقتصادي في تصاعد مستمر، مما يجعل مستقبل إيران مفتوحاً على كافة الاحتمالات.


