في تصعيد جديد للحرب الكلامية الموازية للعمليات العسكرية، نفى الجيش الأمريكي بشكل قاطع الاتهامات الإيرانية باستهداف البنية التحتية المدنية خلال غاراته الجوية الأخيرة. حيث أكدت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن عملياتها كانت دقيقة وركزت حصراً على منشآت عسكرية يستخدمها الحرس الثوري الإيراني لتهديد أمن الملاحة في مياه الخليج. يأتي هذا البيان رداً على تقارير بثتها وسائل إعلام إيرانية رسمية زعمت أن الضربات طالت محطات كهرباء وتحلية مياه وجسوراً، مما أدى إلى خسائر في صفوف المدنيين. إن إعلان واشنطن تنفي مزاعم إيرانية يضع الروايتين في مواجهة مباشرة، ويسلط الضوء على التوتر المتصاعد في أحد أهم الممرات المائية في العالم.
سياق متوتر وتاريخ من المواجهات
لم يأتِ هذا السجال من فراغ، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التوترات بين الولايات المتحدة وإيران تمتد لعقود. وتعتبر منطقة الخليج، وتحديداً مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس استهلاك النفط العالمي، مسرحاً رئيسياً لهذا الصراع. لطالما اتهمت واشنطن وحلفاؤها طهران باستخدام الحرس الثوري وزوارقه السريعة وطائراته المسيرة لزعزعة استقرار الملاحة الدولية واستهداف السفن التجارية وناقلات النفط. من جانبها، ترى إيران في الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وتعتبر أنشطة الحرس الثوري دفاعية بطبيعتها. وقد شهدت السنوات الأخيرة حوادث متعددة من احتجاز للسفن وهجمات متبادلة، مما جعل المنطقة على شفا مواجهة أوسع نطاقاً في أكثر من مناسبة.
روايتان متضاربتان: واشنطن تنفي مزاعم إيرانية والأدلة على المحك
تتمركز الرواية الأمريكية حول مبدأ الدقة الجراحية وتجنب الأضرار الجانبية. وأوضحت بيانات “سنتكوم” أن الأهداف التي تم قصفها شملت مواقع مراقبة ساحلية، ومستودعات أسلحة تحت الأرض، وبنية تحتية لوجستية وعسكرية، وقدرات بحرية تابعة للحرس الثوري. وشدد المتحدثون العسكريون الأمريكيون على أن هذه المنشآت كانت تُستخدم بشكل مباشر في التخطيط لشن هجمات على الملاحة الإقليمية. في المقابل، تقدم طهران صورة مغايرة تماماً. فقد نقلت وكالتا “مهر” و”تسنيم” الإيرانيتان تقارير ميدانية من محافظة هرمزغان الجنوبية، تفيد بأن صواريخ أمريكية أصابت منشآت لتوليد الكهرباء وتحلية المياه في محيط مدينة جاسك، مما تسبب في انقطاع الخدمات عن قرى ساحلية. كما تحدثت التقارير عن تضرر جسور حيوية وسقوط ضحايا مدنيين، وهي اتهامات وصفتها واشنطن بأنها “غير صحيحة” ومحاولة إيرانية لتشويه حقيقة عملياتها الدفاعية.
تداعيات إقليمية ودولية
يحمل هذا التصعيد العسكري والإعلامي في طياته تداعيات تتجاوز حدود البلدين. فعلى الصعيد الإقليمي، تثير هذه الضربات قلق دول الخليج التي تخشى من أن تتحول أراضيها ومياهها إلى ساحة مواجهة مفتوحة. كما أن استمرار الهجمات المتبادلة يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، حيث يمكن لأي اضطراب في مضيق هرمز أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. دولياً، يضع هذا السجال ضغوطاً على الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الصراع، حيث يصبح من الصعب بناء الثقة بين طرفين يتبنى كل منهما رواية نافية تماماً لرواية الآخر. ويبقى الخطر الأكبر هو احتمالية حدوث خطأ في الحسابات من أي من الجانبين، مما قد يشعل صراعاً واسعاً لا يمكن التنبؤ بعواقبه.


