كشف تقرير حديث لصحيفة “وول ستريت جورنال” عن وجود انقسام متزايد داخل دوائر صنع القرار في إيران، وذلك نقلاً عن دبلوماسي إيراني مطلع. ويسلط التقرير الضوء على صراع بين تيارين رئيسيين؛ الأول متشدد يدفع نحو مزيد من التصعيد العسكري مع الولايات المتحدة، والآخر براغماتي يحذر من التداعيات الاقتصادية الكارثية التي قد تنجم عن استمرار المواجهة، ويدعو للبحث عن حلول دبلوماسية.
يأتي هذا الجدل الداخلي في سياق تاريخي معقد من العلاقات المتوترة بين طهران وواشنطن، والتي شهدت تقلبات حادة على مدى العقود الماضية. فبعد سنوات من المفاوضات الشاقة، تم التوصل إلى الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2015، الذي كان يهدف إلى الحد من برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018 وإعادة فرضها سياسة “الضغوط القصوى” أعاد التوترات إلى ذروتها، وألقى بظلاله الثقيلة على الاقتصاد الإيراني، مما أدى إلى تفاقم النقاشات الداخلية حول أفضل السبل للتعامل مع الأزمة.
صراع التيارات داخل دوائر صنع القرار في إيران
وفقاً للدبلوماسي الذي تحدث للصحيفة، يدعو التيار المتشدد إلى استعراض القوة عبر تشديد المواجهة والسيطرة الكاملة على مضيق هرمز، الشريان الحيوي لنقل النفط العالمي، معتبراً إياه ورقة الضغط الأهم في مواجهة واشنطن. ويرى هذا التيار أن أي تراجع هو بمثابة استسلام للضغوط الأمريكية. في المقابل، يخشى التيار الذي وُصف بـ”البراغماتي” من أن استمرار الحصار الأمريكي والتصعيد العسكري سيدفعان الاقتصاد نحو الانهيار الكامل، مما قد يهدد الاستقرار الداخلي. ولهذا، يؤيد هذا التيار البحث عن مخرج سياسي يخفف الضغوط الاقتصادية عن البلاد ويحمي مصالحها على المدى الطويل.
تداعيات اقتصادية تضغط على طهران
وربطت الصحيفة الأمريكية هذا الجدل الداخلي بالأوضاع الاقتصادية المتدهورة في إيران، مشيرة إلى أن الأرقام الرسمية تعكس حجم الأزمة. فقد بلغ معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلك 88.6% في يونيو، بحسب الإحصاءات الرسمية الإيرانية. كما أضافت أن صندوق النقد الدولي كان يتوقع، حتى قبل موجة التصعيد الأخيرة، انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% خلال العام الحالي، وهو رقم مرشح للزيادة إذا استمرت المواجهة الحالية. ونقلت الصحيفة عن تقديرات اقتصادية أن 3% فقط من الأسر الإيرانية ذات الدخل الأعلى باتت قادرة على شراء سلة الغذاء الكاملة، في مؤشر واضح على تراجع القدرة الشرائية واتساع الضغوط المعيشية على المواطنين. إن هذه المؤشرات لا تفرض تحديات أمنية وعسكرية فحسب، بل تضع الاقتصاد الإيراني أيضاً أمام ضغوط متنامية قد تؤثر بشكل حاسم في خيارات صناع القرار خلال المرحلة المقبلة، وتحدد مسار السياسة الإيرانية على الصعيدين الإقليمي والدولي.


