تُعد عمليات تطويل العظام واحدة من أبرز الثورات في مجال جراحة العظام الحديثة، حيث شهدت تطوراً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة، لتنتقل من كونها حلاً علاجياً للحالات المعقدة إلى إجراء تجميلي يسعى إليه الكثيرون لتحقيق قامة أطول. تعتمد هذه الجراحات الدقيقة على مبدأ “التمدد العظمي”، وهي قدرة الجسم الطبيعية على تكوين نسيج عظمي جديد عند فصل طرفي العظم المكسور بشكل تدريجي ومحسوب، مما يسمح بزيادة طول العظم أو تصحيح التشوهات الموجودة فيه.
من ساحات المعارك إلى عيادات التجميل: رحلة تطويل العظام
تعود جذور تقنيات تطويل العظام الحديثة إلى منتصف القرن العشرين، وتحديداً إلى الجراح الروسي غافريل إليزاروف. ففي خمسينيات القرن الماضي، طور إليزاروف جهاز تثبيت خارجي مبتكر لعلاج الجنود المصابين بكسور معقدة وتشوهات في العظام خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لاحظ إليزاروف أن العظام، عند تثبيتها بشكل صحيح وتعريضها لشد تدريجي، قادرة على تجديد نفسها وتكوين نسيج عظمي جديد وصلب في الفجوة الناتجة. هذا المبدأ، الذي عُرف لاحقاً بـ “قانون الشد والتوتر”، شكل الأساس لتقنية إليزاروف التي أحدثت ثورة في علاج كسور العظام غير الملتئمة، والفروق في طول الأطراف، والتشوهات الخلقية. ومع مرور الوقت، انتشرت هذه التقنية عالمياً وأصبحت حجر الزاوية الذي بُنيت عليه الأساليب الأكثر تطوراً اليوم.
تقنيات حديثة تفتح آفاقاً جديدة
مع التقدم التكنولوجي، ظهرت أنظمة تثبيت أكثر دقة وراحة للمريض. فإلى جانب جهاز إليزاروف الخارجي الذي لا يزال يستخدم في الحالات المعقدة، برزت تقنيات التثبيت الداخلي مثل “المسمار النخاعي” القابل للتمدد. يتم زرع هذا المسمار داخل نخاع العظم، ويتم التحكم في إطالته عن بعد باستخدام جهاز مغناطيسي خارجي، مما يقلل من خطر العدوى، ويخفف الألم، ويوفر راحة أكبر للمريض خلال فترة العلاج الطويلة. هذه التقنيات الحديثة جعلت عمليات تطويل العظام أكثر أماناً وانتشاراً، وساهمت في زيادة الإقبال عليها لأغراض علاجية وتجميلية على حد سواء.
بين ضرورة العلاج ورغبة التجميل
يوضح الأطباء أن هناك فرقاً جوهرياً بين التطويل العلاجي والتجميلي. يُجرى التطويل العلاجي لتصحيح مشكلة طبية واضحة، مثل الفروق الكبيرة في طول الساقين الناتجة عن تشوهات خلقية أو إصابات، أو لعلاج أمراض النمو العظمي كالتقزم. الهدف هنا هو تحسين الوظيفة الحركية وجودة الحياة. أما التطويل التجميلي، فيُجرى لشخص سليم طبياً يرغب في زيادة طوله لأسباب شخصية. ويؤكد الدكتور مشير منصور الزيادي، استشاري جراحة العظام، أن هذا النوع من الإجراءات يخضع لتقييم شامل ومعايير دقيقة لضمان فهم المريض الكامل للمخاطر والالتزامات العلاجية الطويلة.
ماذا بعد الجراحة؟ رحلة التعافي والتأهيل
لا تنتهي عملية تطويل العظام بانتهاء الجراحة، بل تبدأ رحلة طويلة من العلاج والالتزام. يشرح الدكتور عبدالوهاب الزهراني، استشاري ترميم تشوهات الأطراف، أن مرحلة الإطالة تتم بمعدل 1 ملم يومياً. على سبيل المثال، زيادة الطول بمقدار 5 سنتيمترات تتطلب 50 يوماً من الإطالة، تليها فترة “التحام العظم” التي قد تستغرق ضعف هذه المدة أو أكثر حتى يصل العظم الجديد إلى الصلابة الكافية. خلال هذه الفترة، يلعب العلاج الطبيعي دوراً محورياً، كما تؤكد الدكتورة دانية باعشن، أخصائية العلاج الطبيعي، حيث يساعد على الحفاظ على مرونة المفاصل وقوة العضلات ومنع حدوث مضاعفات مثل التيبس، مما يضمن استعادة المريض لقدرته على ممارسة حياته الطبيعية بعد انتهاء العلاج.


