في تطور لافت يعكس تحولاً جذرياً في تكتيكات الصراع السوداني، أعلنت قوات الدعم السريع موافقتها على هدنة مشروطة لمدة 90 يوماً، وهي خطوة تأتي في سياق جهود دولية لإيصال المساعدات الإنسانية. هذا الموقف، الذي يبدو كبادرة إيجابية، يمثل في جوهره منعطفاً سياسياً بالغ التعقيد، حيث يُقرأ على أنه محاولة لتحويل السيطرة الميدانية المؤقتة إلى مكاسب قانونية وجغرافية دائمة تحظى باعتراف دولي، بدلاً من كونه مجرد استجابة إنسانية.
جذور الصراع ومسار المفاوضات المتعثر
لفهم أبعاد هذا التطور، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة التي اندلعت في أبريل 2023. نشب الصراع بين القوتين العسكريتين الأكبر في البلاد: الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”. جاء هذا الانفجار بعد أشهر من التوتر المتصاعد حول خطط دمج الدعم السريع في الجيش، وهي خطوة أساسية في خارطة الطريق للانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي. فشلت جميع جولات المفاوضات السابقة، وأبرزها “إعلان جدة” في مايو 2023، في تحقيق وقف دائم لإطلاق النار، حيث تمسّك الجيش بشرط انسحاب الدعم السريع من المدن والمناطق السكنية، وهو ما رفضته الأخيرة، مما أبقى الأزمة في طريق مسدود.
ما وراء الهدنة: أهداف الدعم السريع الاستراتيجية
تكمن المناورة السياسية في أن هذه الموافقة المشروطة تتجاوز الشروط السابقة. فبدلاً من الانسحاب، تسعى قوات الدعم السريع إلى “شرعنة” وجودها في المناطق التي تسيطر عليها تحت غطاء تسهيل وصول المساعدات الإنسانية بإشراف أممي. هذا التكتيك يحقق لها عدة أهداف استراتيجية؛ أولاً، يظهرها كطرف مرن ومتعاون مع المبادرات الدولية، مما يحسن صورتها ويرفع عنها الضغط الدبلوماسي. ثانياً، يضع الجيش السوداني في موقف حرج، فأي رفض للهدنة من جانبه قد يُفسّر على أنه عرقلة للجهود الإغاثية، مما يفاقم من معاناة المدنيين ويضعه في مواجهة مع المجتمع الدولي. ثالثاً، تسعى القوات من خلال هذه الخطوة إلى فرض معادلة جديدة على الأرض تمهد لمطالب سياسية أعلى سقفاً في أي مفاوضات مستقبلية، مثل الانتقال من مطلب “الدمج” إلى “تأسيس جيش جديد”، مما يضمن لها موقعاً قيادياً مستقلاً في مستقبل السودان العسكري والسياسي.
تداعيات إقليمية ودولية لأزمة ممتدة
إن استمرار الصراع في السودان لا يهدد وحدته الداخلية فحسب، بل يزعزع استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها. لقد تسبب النزاع في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع نزوح الملايين داخلياً ولجوء مئات الآلاف إلى دول الجوار مثل تشاد ومصر وجنوب السودان، مما يضع ضغوطاً هائلة على موارد تلك الدول. على الصعيد الدولي، يثير الصراع قلق القوى الكبرى نظراً لموقع السودان الاستراتيجي على البحر الأحمر، وهو ممر حيوي للتجارة العالمية. إن أي فراغ أمني طويل الأمد قد يحول البلاد إلى ساحة للصراعات بالوكالة أو ملاذ للجماعات المتطرفة، وهو ما تسعى الأطراف الدولية لتجنبه عبر الضغط من أجل حل سياسي. وفي المحصلة، تبقى الهدنة المقترحة صيغة هشة، إذ تعكس اتساع الفجوة بين الطرفين وتجعل تطبيقها ميدانياً أمراً صعباً دون تنازلات جوهرية من الجانبين.


