في كشف مثير يسلط الضوء على فصول الحرب الخفية بين طهران وتل أبيب، أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية بأن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) أدار عملية استمرت لسنوات، حيث الموساد حاول تجنيد أحمدي نجاد، الرئيس الإيراني السابق، ليكون أصلاً استخباراتياً ويتم إعداده لقيادة إيران في حال نجاح خطة أوسع لتغيير النظام. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين وإيرانيين مطلعين أن العملية المعقدة انهارت في نهاية المطاف، لكن مصير نجاد لا يزال غامضاً حتى اللحظة.
صراع في الظل: خلفيات التوتر الإسرائيلي الإيراني
تأتي هذه الأنباء في سياق تاريخ طويل من العداء بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو صراع تجاوز المواجهات الكلامية إلى حرب ظل شاملة. منذ عقود، يخوض الطرفان مواجهات سرية تشمل عمليات اغتيال لعلماء نوويين إيرانيين، وهجمات سيبرانية استهدفت منشآت حيوية، وعمليات بحرية غامضة. بالنسبة لإسرائيل، يمثل البرنامج النووي الإيراني ودعم طهران لجماعات مسلحة في المنطقة، مثل حزب الله وحماس، تهديداً وجودياً، مما يدفع أجهزتها الأمنية إلى تبني استراتيجيات جريئة وغير تقليدية لمواجهة هذا الخطر.
من رئيس متشدد إلى شخصية مهمشة
شخصية محمود أحمدي نجاد نفسها تجعل هذه المحاولة، إن صحت، أكثر غرابة. خلال فترة رئاسته بين عامي 2005 و2013، عُرف نجاد بخطابه المتشدد والمثير للجدل، خاصة تصريحاته المعادية لإسرائيل وإنكاره للمحرقة، فضلاً عن دفعه القوي لتوسيع البرنامج النووي الإيراني. لكن السنوات التي تلت مغادرته السلطة شهدت تحولاً في مسيرته، حيث دخل في صراعات مع المرشد الأعلى علي خامنئي والمؤسسة الدينية، وتم تهميشه سياسياً ومنعه من الترشح للانتخابات الرئاسية ثلاث مرات. هذا التهميش، مقترناً بطموحه الواضح للعودة إلى السلطة، ربما هو ما جعل الموساد يراه هدفاً محتملاً يمكن استغلال إحباطه ورغبته في الانتقام.
تفاصيل الخطة: كيف حاول الموساد تجنيد أحمدي نجاد؟
وفقاً للتقرير، بدأت العملية في عام 2024 ببناء قناة اتصال سرية مع أحمدي نجاد. وكانت الخطوة العلنية الأولى هي دعوته للمشاركة في مؤتمر حول التغير المناخي في بودابست، هنغاريا، نظمته جامعة لودوفيكا. كان المؤتمر غطاءً للقاءات سرية بينه وبين مسؤولين في الموساد، حيث سافر رئيس الجهاز آنذاك، ديفيد برنيع، شخصياً للقائه. عرضت إسرائيل على نجاد دعماً مالياً لتغطية تكاليف سفره وإقامته، وعُقدت لقاءات إضافية خلال رحلاته الخارجية. كانت الخطة تهدف إلى إعداده كشخصية يمكن الدفع بها لتولي السلطة في حال توفرت ظروف تغيير النظام. وتضمنت الخطة الأوسع تدريب وتسليح مجموعات كردية إيرانية في شمال العراق للتقدم داخل الأراضي الإيرانية والسيطرة على مناطق غربية قبل التحرك نحو العاصمة طهران، لكن هذا المسار لم يدخل حيز التنفيذ.
انهيار العملية ومصير غامض
انتهت العملية بالفشل، وتشير المصادر الإيرانية الرفيعة التي تحدثت للصحيفة إلى أن السلطات في طهران حصلت على معلومات حول طبيعة اتصالات نجاد مع إسرائيل. ونتيجة لذلك، يخضع الرئيس السابق حالياً للإقامة الجبرية تحت إشراف جهاز استخبارات الحرس الثوري. وكان آخر ظهور علني له خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى علي خامنئي، حيث بدا محاطاً بعناصر أمنية. إن الكشف عن هذه العملية، سواء كانت ناجحة أم فاشلة، يمثل فصلاً جديداً في كتاب المواجهة الاستخباراتية بين البلدين، ويظهر مدى استعداد الأطراف لاتخاذ خطوات قد تبدو مستحيلة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.


