في تصعيد هو الأعنف من نوعه، عادت المواجهة المباشرة لتخيم على العلاقات الأمريكية الإيرانية المتوترة أصلاً. حيث وصلت الحرب الكلامية إلى ذروتها بعد إطلاق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديدات غير مسبوقة، ملوحاً بورقة “التدمير الكامل” في وجه طهران إذا ما حاولت استهدافه. هذه اللهجة الخطيرة قوبلت برد إيراني حاسم، حيث اتهمت الدبلوماسية الإيرانية واشنطن بضرب المواثيق الدولية عرض الحائط وانتهاك مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين، مما يضع المنطقة على شفا مواجهة مفتوحة.
تأتي هذه التطورات في سياق من العداء التاريخي بين البلدين، والذي يعود إلى عقود مضت، لكنه شهد منعطفاً حاداً مع سياسة “الضغوط القصوى” التي تتبعها الإدارة الأمريكية الحالية. وقد أدت هذه السياسة إلى فرض عقوبات اقتصادية خانقة على طهران بهدف كبح نفوذها الإقليمي وتقييد برنامجها النووي والصاروخي. ورغم وجود اتفاقيات سابقة تهدف إلى نزع فتيل الأزمة، إلا أن التوترات ظلت كامنة، وتنفجر بين الحين والآخر على شكل مناوشات في مياه الخليج أو حرب ظل عبر وكلاء في المنطقة.
تهديدات ترامب لإيران: أبعاد التصعيد الأخير
أطلق الرئيس ترامب تحذيراته عبر منصته “تروث سوشال”، مؤكداً أن الجيش الأمريكي على أهبة الاستعداد لإطلاق آلاف الصواريخ على إيران في حال أقدمت طهران على تنفيذ أي مخطط لاغتياله. وجاء هذا التهديد رداً على تقارير استخباراتية، نقلتها صحيفة “وول ستريت جورنال”، تفيد بوجود خطة إيرانية لاغتيال الرئيس الأمريكي. وفي المقابل، هدد المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، بالثأر لمقتل والده علي خامنئي، الذي اغتيل في هجوم سابق، مؤكداً أن الثأر سيتحقق مهما كلف الأمر، وهو ما زاد من تعقيد المشهد.
مضيق هرمز: شريان النفط العالمي في قلب الأزمة
تكتسب هذه الأزمة أهمية دولية بالغة نظراً لموقعها الجغرافي، حيث يمر عبر مضيق هرمز قرابة 20% من إمدادات النفط العالمية. أي عمل عسكري في هذه المنطقة الحيوية لن يؤثر على واشنطن وطهران فحسب، بل سيمتد تأثيره ليشمل الاقتصاد العالمي بأسره عبر التسبب في ارتفاع هائل لأسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد. وقد شهدت الفترة الماضية هجمات متكررة على ناقلات نفط في مياه الخليج، تبادل الطرفان الاتهامات بالمسؤولية عنها، مما يعكس مدى هشاشة الوضع الأمني في هذا الممر المائي الاستراتيجي.
وساطات إقليمية وجهود لاحتواء الموقف
وسط هذا التصعيد، تتحرك أطراف إقليمية في محاولة للوساطة وتخفيف حدة التوتر. وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن وزير الخارجية الإيراني بالوكالة، عباس عراقجي، وصل إلى سلطنة عمان لبحث الترتيبات المتعلقة بضمان المرور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز. وتلعب كل من سلطنة عمان وقطر أدواراً تاريخية كقنوات تواصل بين طهران والغرب، حيث تسعيان لإيجاد أرضية مشتركة للحوار ومنع انزلاق الأمور إلى مواجهة عسكرية مدمرة. وأفادت مصادر بأن مفاوضين قطريين التقوا بمسؤولين في طهران بهدف خفض التصعيد، في وقت تتواصل فيه المحادثات البناءة بين البلدين بوساطات مختلفة.
من جانبه، اتهم عراقجي وزارة الخزانة الأمريكية بانتهاك الفقرة التاسعة من مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين، والتي تمنع واشنطن من فرض عقوبات جديدة أو نشر قوات إضافية في المنطقة. واعتبر أن “الامتثال لا يمكن أن يكون إلا متبادلاً”، في إشارة إلى أن صبر طهران بدأ ينفد حيال ما تصفه بالانتهاكات الأمريكية المتكررة. ومع استمرار التحركات العسكرية والسياسية، يبقى مستقبل المنطقة معلقاً بخيط رفيع، وسط مخاوف من أن أي خطأ في الحسابات قد يشعل حرباً لا يمكن التنبؤ بعواقبها.


