في خضم الصراع الدامي الذي يعصف بالسودان منذ أكثر من عام، يبرز بصيص أمل جديد مع الكشف عن تفاصيل مقترح أمريكي لإنهاء الحرب، يهدف إلى تمهيد الطريق نحو سلام دائم. ومع ذلك، سرعان ما اصطدمت هذه المبادرة الدبلوماسية بواقع ميداني معقد، حيث كشفت وثائق اطلعت عليها وكالة “رويترز” أن الجيش السوداني وضع شرطاً أساسياً لقبول المقترح، يتمثل في الانسحاب الكامل لقوات الدعم السريع من جميع المدن التي تسيطر عليها، وهو ما يمثل عقبة رئيسية أمام أي تقدم محتمل.
جذور الصراع: من التحالف إلى الاقتتال
لم تكن الحرب الحالية وليدة اللحظة، بل هي تتويج لسنوات من التوترات المتصاعدة بين حليفي الأمس، الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”. نشأت قوات الدعم السريع من رحم ميليشيات الجنجويد التي قاتلت نيابة عن نظام عمر البشير في دارفور، ومع مرور الوقت، تحولت إلى قوة شبه عسكرية هائلة تتمتع بنفوذ اقتصادي وسياسي واسع. بعد الإطاحة بالبشير في ثورة شعبية عام 2019، شكل البرهان وحميدتي معاً المكون العسكري في السلطة الانتقالية، لكن الخلافات حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش الوطني، وجدول زمني لذلك، أدت إلى تآكل الثقة واندلاع المواجهات العسكرية في أبريل 2023، لتدخل البلاد في دوامة من العنف لم تتوقف حتى اليوم.
تفاصيل مقترح أمريكي لإنهاء الحرب وشروط الأطراف
وفقاً للوثائق، يدعو المقترح الأمريكي، الذي تم تسليمه للحكومة السودانية في 20 يونيو الماضي، إلى هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يوماً، تمهد لمفاوضات حول وقف دائم لإطلاق النار وعملية انتقال سلمي للسلطة بقيادة مدنية. كما تضمنت المبادرة إنشاء آلية تحت إشراف الأمم المتحدة لدعم عمليات انسحاب محدودة لقوات الدعم السريع، مع إعطاء الأولوية لمناطق حساسة مثل شمال دارفور، التي شهدت مؤخراً سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر بعد هجوم عنيف، وشمال كردفان. إلا أن رد الجيش السوداني كان حاسماً، حيث وافق على معظم بنود المقترح لكنه اعترض بشدة على فكرة الانسحاب المحدود، مطالباً بضرورة أن تشمل الخطة انسحاباً كاملاً لقوات الدعم السريع من كافة المدن التي سيطرت عليها منذ بدء النزاع. في المقابل، نقلت “رويترز” عن مسؤول كبير في الدعم السريع أن قواته رحبت بالمقترح وقدمت رداً مكتوباً، دون الخوض في تفاصيل إضافية.
تداعيات إنسانية كارثية وتهديد للاستقرار الإقليمي
لقد خلفت الحرب المستمرة آثاراً مدمرة على الشعب السوداني، حيث تسببت في نزوح الملايين من ديارهم، سواء داخل البلاد أو إلى دول الجوار التي تعاني أصلاً من أوضاع هشة. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الصراع أودى بحياة عشرات الآلاف، ودفع بملايين آخرين إلى حافة المجاعة، مع انهيار شبه كامل للقطاع الصحي وانتشار الأوبئة. على الصعيد الإقليمي، يثير الصراع في السودان مخاوف جدية من امتداد حالة عدم الاستقرار إلى منطقة القرن الأفريقي بأكملها، مما يهدد بتأجيج صراعات قائمة وخلق أزمات لاجئين جديدة. ورغم المحاولات الدبلوماسية السابقة التي قادتها الولايات المتحدة والسعودية عبر “منبر جدة”، فإنها لم تنجح في تحقيق اختراق حقيقي، مما يجعل المبادرة الجديدة محط أنظار المجتمع الدولي بأكمله.


