شهدت أروقة قصر السلام في محافظة جدة انعطافة استراتيجية كبرى صاغت ملامح حقبة جديدة ومبشرة في مسار العلاقات السعودية الكندية، حيث عقد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، جلسة مباحثات رسمية مع دولة رئيس وزراء كندا مارك كارني، وذلك في إطار زيارته الرسمية الأولى للمملكة منذ توليه منصبه. وتأتي هذه المباحثات لتضع حجر الأساس لشراكة اقتصادية وسياسية متكاملة تعيد رسم خارطة المصالح المشتركة بين قوتين بارزتين في مجموعة العشرين، وتفتح آفاقاً رحبة للتعاون الثنائي في مختلف المجالات الحيوية.
آفاق جديدة ترسم مستقبل العلاقات السعودية الكندية
لم تكن زيارة رئيس الوزراء الكندي إلى جدة مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل حملت في طياتها رسائل سياسية واقتصادية بالغة الأهمية تعكس رغبة البلدين في تجاوز تحديات الماضي وبناء شراكة مستدامة. وتأتي هذه الخطوة كجزء من سياق تاريخي شهد استئنافاً كاملاً للعلاقات الدبلوماسية وتعيين السفراء، مما مهد الطريق لتعزيز العلاقات السعودية الكندية على أسس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وقد عبّر مارك كارني صراحة عن انبهاره بالتحولات التنموية الهائلة التي تعيشها المملكة العربية السعودية تحت مظلة رؤية 2030، مؤكداً أن القيادة السعودية باتت تكتسب دوراً حيوياً متزايداً على الساحة الدولية كصانعة للسلام والاستقرار الاقتصادي. وأشار كارني إلى أن العالم اليوم في أمسّ الحاجة إلى شركاء موثوقين في قطاع الطاقة الاستراتيجي والتحول الرقمي، وهو ما تجسده المملكة برؤيتها الطموحة وثقلها الإقليمي والدولي.
شراكة اقتصادية بمليار دولار تقودها الرياض ومعادن
ترجم البلدان تقاربهما السياسي إلى أرقام ضخمة على أرض الواقع، تعكس الرغبة المشتركة في دفع عجلة الاستثمار المتبادل. وخلال منتدى الاستثمار السعودي الكندي، اعتزم الجانبان توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة إجمالية تناهز المليار دولار، مما يمثل قفزة نوعية في مسار التعاون الاقتصادي. وتصدرت المشهد شراكات نوعية ركزت على البنية التحتية، والتعدين، والصناعات المتقدمة، وجاءت أبرز هذه الاتفاقيات كالتالي:
- عقود الهيئة الملكية لمدينة الرياض: بقيمة تصل إلى 440 مليون دولار لتطوير مشاريع البنية التحتية الحيوية في العاصمة السعودية، بما يتماشى مع خطط استضافة الفعاليات الكبرى.
- شراكة التعدين الكبرى: اتفاقية ضخمة تجمع شركة “معادن” السعودية بشركة “Hatch” الكندية بقيمة تصل إلى 700 مليون دولار، بهدف تبادل الخبرات وتطوير تقنيات التعدين المستدام.
أرقام قياسية وتنسيق عابر للقارات لحماية الاستقرار العالمي
تأتي هذه الخطوات الاستثمارية لتعزز نمواً متصاعداً في حركة التجارة بين الرياض وأوتاوا. وتشير البيانات الرسمية إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين سجل قرابة 2.909 مليار دولار، مائلاً لصالح المملكة بصادرات سعودية بلغت 1.719 مليار دولار مقابل واردات بقيمة 1.190 مليار دولار. ويأتي هذا الحراك مكملاً للنجاح الذي تحقق سابقاً في ملتقى الأعمال بالرياض عبر توقيع 6 مذكرات تفاهم بقيمة 600 مليون دولار شملت مجالات التحول الرقمي، والأمن السيبراني، والتعليم.
وعلى الصعيد الدولي والإقليمي، يرى الخبراء والمراقبون السياسيون أن تعزيز العلاقات الثنائية سيسهم بشكل مباشر في دعم جهود الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وتأمين سلاسل الإمداد العالمية. فالتنسيق بين الرياض وأوتاوا يتجاوز البعد الاقتصادي إلى التنسيق السياسي عابر القارات بشأن الملفات الملحة مثل التغير المناخي، والأمن الغذائي، ومكافحة الإرهاب، مستندين إلى البيئة الاستثمارية الخصبة التي توفرها المملكة، والقدرات الابتكارية والصناعية التي تمتلكها كندا.


