في خطوة تاريخية تعكس التحولات السياسية المتسارعة في المنطقة، أعلن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بدء عملية استرداد أموال رفعت الأسد المصادرة في فرنسا، والتي تبلغ قيمتها نحو 51 مليون يورو (ما يعادل 58.29 مليون دولار أمريكي)، لإعادتها إلى العاصمة السورية دمشق. وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع زيارة رسمية يجريها ماكرون إلى سوريا، التقى خلالها برئيس حكومة تسيير الأعمال السورية، أحمد الشرع، لبحث آفاق التعاون الاقتصادي والسياسي بين البلدين في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.
خلفية تاريخية: كيف تراكمت أموال رفعت الأسد في أوروبا؟
تعود قضية أموال رفعت الأسد، عم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، إلى عقود مضت؛ حيث خضع رفعت الأسد لمحاكمات مطولة في فرنسا بتهم تتعلق بغسيل الأموال، واختلاس أموال عامة سورية، وبناء إمبراطورية عقارية ضخمة في أوروبا بطرق غير مشروعة بعد خروجه من سوريا في ثمانينيات القرن الماضي. وفي عام 2021، ثبتت المحاكم الفرنسية حكماً نهائياً بمصادرة أصوله العقارية والمالية التي تقدر بعشرات الملايين من اليوروهات. واليوم، تمثل إعادة هذه الأموال إلى الخزينة السورية خطوة رمزية وعملية بالغة الأهمية لدعم المؤسسات الوطنية السورية الناشئة، حيث أكدت باريس تقديم مساعدة تقنية لمصرف سوريا المركزي لضمان إدارة هذه الأموال بكفاءة وشفافية.
شراكات اقتصادية فرنسية واعدة في دمشق
لم تقتصر المباحثات الفرنسية السورية على استعادة الأموال المنهوبة، بل امتدت لتشمل توقيع اتفاقيات استراتيجية كبرى. وفي هذا السياق، أبرمت مجموعة الشحن الفرنسية العملاقة “سي.إم.إيه. سي.جي.إم” (CMA CGM) اتفاقية شراكة جديدة مع الجانب السوري تشمل مناولة الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي، بالإضافة إلى تشغيل ميناءين جافين. وتأتي هذه الاتفاقيات ضمن حزمة من التفاهمات الاقتصادية التي أعلنها مكتب ماكرون، والتي تهدف إلى إعادة دمج الاقتصاد السوري في المنظومة الدولية وتنشيط حركة التجارة والنقل.
آفاق إعادة الإعمار وتأثيرها الإقليمي والدولي
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال اجتماع الطاولة المستديرة الذي ضم وفدي البلدين في دمشق، استعداد فرنسا الكامل للمساهمة الفعالة في جهود إعادة الإعمار في سوريا. وأشار ماكرون إلى تشكيل لجان اقتصادية موسعة ومشتركة تعمل على دعم مشاريع التنمية بالشراكة مع دول خليجية، مؤكداً رغبة بلاده في بناء جسور الثقة والاستثمار في قطاعات حيوية مثل الطاقة والمصارف. من جانبه، شدد رئيس الحكومة السورية أحمد الشرع على تطلع بلاده لبناء بيئة استثمارية حديثة ومستقرة تجذب الشركات الأجنبية، داعياً إياها للاستفادة من الفرص المبكرة في المدن الصناعية السورية التي تستعد للتحول إلى منصات استثمارية عالمية. وتكتسب هذه الزيارة أهمية استثنائية كونها الزيارة الأولى لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ عام 2009، مما يمهد الطريق لعهد جديد من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية المتكافئة في الشرق الأوسط.


