حذر تقرير حديث صادر عن الأمم المتحدة من أن التطور المتسارع في التقنيات الرقمية قد يعمق الفجوة التنموية بين الدول، مؤكداً أن غياب حوكمة الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي يهدد بتوسيع فجوة عدم المساواة العالمية بشكل غير مسبوق. وأشار التقرير إلى ضرورة التوافق العاجل على إطار عمل عالمي يضمن تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها بمسؤولية وعدالة، في ظل تسارع الاستثمارات واعتماد التطبيقات بشكل غير متوازن بين الدول.
سياق تاريخي: كيف وصلنا إلى أزمة التنظيم الرقمي؟
تاريخياً، شهد العالم ثورات صناعية وتكنولوجية متعددة، كانت دائماً ما تصب في مصلحة الدول المتقدمة التي تمتلك زمام المبادرة والتمويل، بينما تظل دول الجنوب العالمي في مرحلة اللحاق بالركب. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي والقفزات الهائلة التي حققها في السنوات الأخيرة، تكرر السيناريو ذاته ولكن بوتيرة أسرع بكثير. وتأسست اللجنة العلمية الدولية المستقلة المعنية بالذكاء الاصطناعي العام الماضي بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتكون أول هيئة علمية عالمية متخصصة تحاول دراسة هذا المشهد المعقد وتقديم رؤية علمية محايدة بعيدة عن التجاذبات السياسية.
مخاطر وتحديات تفرض ضرورة حوكمة الذكاء الاصطناعي
يستعرض التقرير الأممي، الذي أعده 40 خبيراً مستقلاً، الفرص الواعدة للذكاء الاصطناعي في مجالات حيوية مثل الزراعة والتعليم، لكنه يضع في المقابل تحذيرات صارمة من مخاطر داهمة. وتشمل هذه المخاطر استخدام التقنيات في عمليات الاحتيال المالي، والتلاعب بالانتخابات، ونشر المعلومات المضللة.
كما نبه التقرير إلى أن مجرد إتاحة الأدوات لا يعني تحقيق العدالة؛ فاعتماد العديد من الدول على نماذج أجنبية أو خدمات الحوسبة السحابية والبنية التحتية للبيانات المملوكة لشركات كبرى يحرمها من السيطرة الفعلية على معايير هذه التكنولوجيا ومدى ملاءمتها للاحتياجات المحلية.
الفجوة الرقمية واللغوية: تهديد مباشر للقطاعات الحيوية
من أبرز النقاط التي سلط التقرير الضوء عليها هي الفجوة اللغوية والرقمية؛ حيث تعمل معظم نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي بكفاءة عالية باللغة الإنجليزية وعدد محدود من اللغات الأخرى، بينما تعاني بقية لغات العالم من ضعف الدعم أو الاستبعاد التام. هذا التمييز اللغوي قد يؤدي إلى أخطاء كارثية، لا سيما في القطاع الصحي. واستشهد التقرير بأخطاء في الترجمة الآلية خلطت بين أمراض مختلفة، مثل ترجمة عبارة “تم إعطاؤك مضادات حيوية عبر الوريد” إلى “تم إعطاؤك مبيدات حشرية عبر الوريد”، وهو ما يهدد حياة المرضى بشكل مباشر. علاوة على ذلك، فإن أكثر من ملياري شخص حول العالم – أي ما يقارب ثلث سكان كوكب الأرض – لا يزالون غير متصلين بالإنترنت، مما يقصيهم تماماً من الاستفادة من هذه الثورة التكنولوجية.
الهيمنة الدولية والأثر البيئي المتزايد
على الصعيد الدولي، تهيمن الولايات المتحدة الأمريكية والصين بشكل شبه كامل على تطوير النماذج المتقدمة والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للحوسبة. وحذر الخبراء من أن تركز هذه القدرات في يد عدد محدود من الشركات والدول يفتح الباب أمام الاستغلال السلطوي للتكنولوجيا ويقوض مبادئ المساءلة الديمقراطية.
ولم يغفل التقرير الأثر البيئي المقلق لمراكز البيانات العملاقة؛ إذ تستهلك كميات هائلة من الطاقة والمياه لتبريد الخوادم، مما يسهم في زيادة انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهو ما يضع تحدياً إضافياً أمام جهود مكافحة التغير المناخي عالمياً ومحلياً.
توصيات أممية لرسم ملامح المستقبل الرقمي
لمواجهة هذه التحديات، قدمت اللجنة مجموعة من التوصيات للدول الأعضاء، تشمل الاستثمار في البنية التحتية المحلية مثل مراكز البيانات، وتعزيز الثقافة الرقمية في المدارس وأسواق العمل، ودعم المطورين المحليين، وإنشاء معاهد متخصصة لسلامة الذكاء الاصطناعي.
ورغم الانتقادات التي وجهت للجنة لعدم تقديمها توصيات سياسية ملزمة، أوضحت ماريا ريسا، الصحفية الحائزة على جائزة نوبل للسلام والرئيسة المشاركة للجنة، أن دور الهيئة يقتصر على تقديم الحقائق والأدلة العلمية لضمان الحياد والقبول الدولي، تاركةً صياغة السياسات للحكومات التي ستجتمع قريباً في جنيف لمناقشة آليات التنظيم الفعلي.


