شهدت الساحة الميدانية تصعيداً عسكرياً غير مسبوق في الآونة الأخيرة، حيث دخلت حرب المسيرات الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة وأكثر دموية، أسفرت عن سقوط ضحايا من المدنيين، لا سيما الرضع والأطفال. وفي هذا السياق، شنت العاصمة الأوكرانية كييف هجوماً جوياً تاريخياً بطائرات مسيرة استهدف العمق الروسي، بما في ذلك مركز “دوبنا” للاتصالات الفضائية، مما أحدث أضراراً مادية واسعة النطاق، وأسفر عن مقتل طفل رضيع في ضواحي العاصمة موسكو، في حين ردت القوات الروسية بضربات صاروخية وجوية مكثفة طالت البنية التحتية للطاقة في عدة مدن أوكرانية.
تطور استراتيجي خطير في حرب المسيرات الروسية الأوكرانية
منذ اندلاع النزاع في فبراير 2022، تحولت الطائرات المسيرة من مجرد أدوات استطلاع تكتيكية إلى سلاح استراتيجي حاسم يحدد ملامح المعارك. هذا التحول التكنولوجي فرض واقعاً جديداً على الأرض، حيث باتت المسيرات قادرة على تجاوز الدفاعات الجوية التقليدية والوصول إلى أهداف حيوية تبعد مئات الكيلومترات عن خطوط المواجهة الأمامية. ولم يعد الصراع مقتصراً على الجبهات التقليدية في شرق وجنوب أوكرانيا، بل امتد ليشمل استهداف مراكز القيادة، ومصافي النفط، ومحطات الطاقة، وحتى المناطق السكنية في عمق كلا البلدين، مما يرفع من كلفة الحرب الإنسانية والاقتصادية بشكل يومي.
تفاصيل الهجمات المتبادلة وحصيلة الضحايا المدنيين
أعلن أندريه فوروبيوف، حاكم منطقة موسكو، عبر تطبيق “تيليجرام” أن طفلاً يبلغ من العمر ستة أشهر لقي حتفه إثر سقوط حطام طائرة مسيرة على مبنى سكني في المنطقة. ورغم نقل الرضيع برفقة طفل آخر وناجين، إلا أنه فارق الحياة في طريقه إلى المستشفى. وفي منطقة بيلغورود الحدودية، أكدت السلطات الروسية مقتل رجل آخر جراء هجوم أوكراني بطائرات مسيرة خلال الليل. في المقابل، أعلنت الدفاعات الروسية عن إسقاط 419 مسيرة أوكرانية في أنحاء متفرقة من البلاد.
على الجانب الأوكراني، تعرضت ثلاث مدن رئيسية لقصف روسي عنيف أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 10 أشخاص. ففي مدينة دنيبرو (جنوب شرق)، أدى هجوم صاروخي إلى مقتل 6 أشخاص وإصابة 29 آخرين، بينهم أطفال، وفقاً لما صرح به حاكم المنطقة أوليكسندر هانجا. وفي مدينة زابوريجيا، أسفر هجوم بطائرة مسيرة عن مقتل رجلين وامرأة وإصابة 15 آخرين، بينما شهدت خاركيف، ثاني أكبر المدن الأوكرانية، مقتل امرأة وإصابة 10 أشخاص آخرين جراء الضربات المستمرة.
استهداف البنية التحتية والاتصالات الفضائية
أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الأوكرانية نفذت هجوماً ناجحاً استهدف مركز “دوبنا” الروسي للاتصالات الفضائية في منطقة موسكو، والذي يقع على بعد أكثر من 500 كيلومتر من الحدود الأوكرانية. وأوضح زيلينسكي أن هذا الموقع الاستراتيجي يُستخدم لأغراض الاستطلاع وتنسيق العمليات العسكرية الروسية. يأتي هذا الهجوم كجزء من حملة ضغط مكثفة وافق عليها الرئيس الأوكراني لزيادة الضغط على موسكو. وفي المقابل، ركزت الهجمات الروسية المضادة على تدمير البنية التحتية للطاقة في زابوريجيا وسومي، مما يهدد بقطع الإمدادات الحيوية عن ملايين المدنيين مع دخول النزاع مراحل أكثر تعقيداً.
الأبعاد الإقليمية والدولية للتصعيد العسكري
يحمل هذا التصعيد الأخير أبعاداً إقليمية ودولية خطيرة، حيث تتهم موسكو كييف بمحاولة جر حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا من خلال استهداف العمق الروسي بأسلحة متطورة. من جهته، دعا زيلينسكي الشركاء الأوروبيين إلى تعزيز قدرات الدفاع الجوي الأوكراني لمواجهة الصواريخ الباليستية والمسيرات. ومع استمرار الهجمات المتبادلة، يتوقع الخبراء أن يؤدي استهداف مصافي النفط ومراكز الطاقة إلى اضطرابات إضافية في أسواق الطاقة العالمية، فضلاً عن تفاقم الأزمة الإنسانية داخل أوكرانيا والمناطق الروسية الحدودية، مما يضع المجتمع الدولي أمام تحديات متزايدة لفرض التهدئة ومنع اتساع رقعة الصراع.


