في ظل تراجع نسبي للاهتمام الدولي بالأزمة الإنسانية في قطاع غزة، ومع تعثر المفاوضات الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق نار دائم، تتصاعد المؤشرات على أن الجيش الإسرائيلي يخطط لعودة وشيكة إلى القتال في غزة. فقد كشفت مصادر استخباراتية وعسكرية إسرائيلية رفيعة المستوى عن تفضيلها لاستئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق، مدفوعة بما وصفته بـ”إعادة حركة حماس تنظيم صفوفها وقدراتها العسكرية”، وذلك في تحدٍ واضح للمعارضة الأمريكية والجهود الدبلوماسية المبذولة.
تأتي هذه التطورات في سياق صراع ممتد ومعقد، حيث لم تكن الحرب الحالية التي اندلعت بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023 إلا الفصل الأكثر دموية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. على مدى الأشهر الماضية، شهد قطاع غزة دماراً هائلاً وأزمة إنسانية كارثية، مع نزوح الغالبية العظمى من سكانه وتدمير البنية التحتية الحيوية. ورغم التوصل إلى هدنة مؤقتة بوساطة مصرية وقطرية وأمريكية، ظلت الجهود لتحويلها إلى سلام دائم تواجه عقبات كبيرة، أبرزها التباين الجذري في مواقف الطرفين بشأن شروط إنهاء الحرب.
مخاوف إسرائيلية من إعادة بناء القدرات العسكرية لحماس
وفقاً لتقارير نقلتها هيئة البث الإسرائيلية، تستند تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية والقيادة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي إلى معلومات تفيد بأن حماس استغلت فترة التهدئة لتعزيز قدراتها بشكل ملحوظ. وتشير هذه المعلومات إلى أن الحركة تعمل على إنتاج مئات العبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدروع شهرياً، بالإضافة إلى تجنيد مقاتلين جدد تتراوح أعمارهم بين 18 و 22 عاماً. كما ورد أن الحركة بدأت في إعادة تأهيل شبكة أنفاقها الواسعة وتدريب عناصر من قوات النخبة التابعة لها، وهو ما اعتبره كبار المسؤولين تحذيراً خطيراً من أن الجناح العسكري للحماس يستعد مجدداً لخوض حرب جديدة.
تداعيات استئناف القتال في غزة على المشهد الإقليمي والدولي
إن أي قرار بالعودة إلى العمليات العسكرية الشاملة لن تقتصر تداعياته على قطاع غزة وحده، بل من شأنه أن يلقي بظلاله على استقرار المنطقة بأكملها ويزيد من تعقيد الموقف الدولي. فالإدارة الأمريكية الحالية، التي طرحت خطة من عدة مراحل لإنهاء الصراع، قد تجد نفسها في موقف حرج، حيث تعارض رسمياً أي عملية عسكرية كبرى جديدة، لكنها في الوقت ذاته تواصل دعمها لإسرائيل. وكانت المفاوضات الأخيرة التي جرت في القاهرة قد شهدت تشدداً من الفصائل الفلسطينية التي طالبت بضرورة تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة، والتي تقضي بانسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، كشرط للانتقال إلى المراحل التالية، وهو ما ترفضه حكومة بنيامين نتنياهو التي أعلنت في وقت سابق نيتها توسيع السيطرة الأمنية الإسرائيلية لتشمل نحو 70% من مساحة القطاع.
إن العودة إلى مربع العنف الأول ستعني حتماً تفاقم الكارثة الإنسانية للمدنيين الفلسطينيين، وتقويض أي أمل متبقٍ في التوصل إلى حل سياسي، كما أنها قد تشعل جبهات أخرى، لا سيما على الحدود مع لبنان، مما يضع المنطقة بأسرها على شفا حرب إقليمية واسعة النطاق.


