في منعطف سياسي دقيق، يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه في مواجهة معادلة معقدة، حيث يتصاعد التوتر العسكري على الجبهة اللبنانية، بينما تتسع فجوة غير مسبوقة مع حلفائه التقليديين في الولايات المتحدة، ليجد أن أبرز تداعيات سياساته الحالية هي أنه بات يواجه خطر أن نتنياهو يخسر الجمهوريين، القاعدة الداعمة الأكثر صلابة لإسرائيل تاريخياً. هذا التحول لا يمثل مجرد خلاف عابر، بل قد يشير إلى تغيير هيكلي في طبيعة التحالف الاستراتيجي بين البلدين.
يأتي هذا التوتر في سياق تصعيد إسرائيلي لافت في جنوب لبنان، حيث أعلن مكتب نتنياهو أن الجيش استهدف بنى تحتية تابعة لـ«حزب الله»، مؤكداً أن واشنطن أُبلغت مسبقاً بالعملية. اللافت أن هذه الضربات جاءت بعد يومين فقط من توقيع اتفاق إطاري ثلاثي برعاية أمريكية يهدف إلى تثبيت التهدئة، مما يضع المساعي الدبلوماسية التي تقودها واشنطن في موقف حرج، ويُظهر تبايناً واضحاً في الأولويات بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وحكومة نتنياهو.
خلفية التحالف التاريخي وتصدعاته الحالية
تاريخياً، تمتعت إسرائيل بدعم قوي من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة. إلا أن الحزب الجمهوري، وخصوصاً قاعدته الإنجيلية، شكّل على مدى عقود الحليف الأكثر ثباتاً وتأييداً للسياسات الإسرائيلية المتشددة. لكن هذا الدعم الراسخ بدأ يشهد تآكلاً ملحوظاً. فالحروب المستمرة، وتحديداً الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية، إلى جانب المواجهة المفتوحة على الحدود اللبنانية، خلقت شعوراً متزايداً لدى شرائح من الرأي العام الأمريكي بأن سياسات إسرائيل باتت تُحمّل الولايات المتحدة أعباءً سياسية وعسكرية متزايدة، وهو ما يتعارض مع تيار “أمريكا أولاً” الذي يكتسب زخماً داخل الحزب الجمهوري.
تصدعات في التحالف: لماذا نتنياهو يخسر الجمهوريين؟
تكشف تقارير إعلامية أمريكية، أبرزها تقرير لموقع «أكسيوس»، عن تراجع واضح في شعبية نتنياهو داخل الأوساط الجمهورية، لا سيما بين فئة الشباب. هذا التحول لا يعود فقط إلى إدارة الحرب، بل يمتد إلى خلافات أعمق حول التعامل مع إيران والملف النووي. وقد عبّر الرئيس دونالد ترامب بنفسه عن امتعاضه من سياسات نتنياهو، حيث وجه له رسائل حادة، محذراً من أن رفض الانخراط في تسوية سياسية قد يقود إلى “طلاق” بين واشنطن وتل أبيب، بل ووصل به الأمر في إحدى المناسبات إلى وصفه بـ”المجنون للغاية”. هذه التصريحات، القادمة من رأس الحزب، تمنح زخماً للتيار المتشكك داخل الحزب الجمهوري. وتتجاوز الانتقادات شخص الرئيس، إذ اعتبر نائب الرئيس جي دي فانس أن مهاجمة مسؤولين إسرائيليين لإدارة ترامب أمر “غير مفهوم”، مذكراً بأن الولايات المتحدة هي “الحليف القوي الوحيد المتبقي” لإسرائيل.
في ظل هذه المعطيات، يجد نتنياهو نفسه محاصراً بين ضغوط داخلية تدفعه نحو توسيع المواجهة العسكرية، وبين تراجع للدعم في أهم عاصمة دولية بالنسبة له. فكلما اتسعت دائرة الصراع في المنطقة، زادت الضغوط عليه داخل واشنطن، مما يضعه أمام خيارات صعبة قد تعيد رسم ملامح العلاقة الاستراتيجية بين الحليفين في المستقبل القريب.


