في اكتشاف علمي لافت، كشفت دراسة حديثة أُجريت على 176 مدينة سعودية عن وجود علاقة ارتباط قوية بين المدن التي تمتلك مؤشرات تراث ثقافي غنية وتسجيلها لمعدلات وفيات أقل. وتشير النتائج الأولية، التي أظهرت متوسط وفيات يبلغ 226.8 لكل 100 ألف نسمة، إلى أن التراث الثقافي لا يمثل قيمة تاريخية وهوية وطنية فحسب، بل قد يكون عاملاً مؤثراً في تحسين جودة الحياة والصحة العامة للسكان.
رؤية 2030 ودور التراث الثقافي في جودة الحياة
تأتي هذه الدراسة في سياق تحول وطني شامل تشهده المملكة العربية السعودية، حيث تضع رؤية 2030 الثقافة والتراث في قلب استراتيجيتها التنموية. لم يعد الاهتمام بالتراث مقتصراً على الحفاظ على المواقع الأثرية، بل امتد ليصبح جزءاً لا يتجزأ من برنامج “جودة الحياة”، أحد أهم برامج تحقيق الرؤية. تهدف هذه البرامج إلى تهيئة البيئة اللازمة لتحسين نمط حياة الفرد والأسرة، وتعزيز مشاركة المواطنين في الأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية. وتسلط نتائج الدراسة الضوء على الأثر العميق وغير المباشر لهذه الاستثمارات، حيث أن تعزيز الانتماء للمكان من خلال التراث يساهم في بناء مجتمعات أكثر استقراراً وتماسكاً، وهو ما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية والجسدية للأفراد.
منهجية الدراسة: كيف تم قياس الأثر؟
اعتمدت الدراسة التي حملت عنوان “الأسس الثقافية للرفاه في مدن السعودية”، وأعدتها الباحثة سميرة المالكي من جامعة الملك سعود وجامعة سوانزي، على تحليل بيانات إدارية واسعة من عدة جهات حكومية. ولتحديد العلاقة، قامت الباحثة بتصنيف المؤشرات الثقافية إلى بُعدين رئيسيين: الأول هو “التراث الثقافي”، وشمل مواقع التراث المسجلة، والمتاحف، والمساجد التاريخية، ومدارس التعليم الإسلامي. أما البُعد الثاني فكان “الثقافة الحية”، وتضمن الفعاليات والمهرجانات والمكتبات والمسارح ودور السينما والمقاهي الترفيهية. وتم ربط هذه المؤشرات بمقياس صحي مباشر وهو معدل الوفيات لكل 100 ألف نسمة لعام 2024، بدلاً من الاعتماد على استطلاعات الرضا والسعادة التقليدية.
أبعد من السياحة: التراث كرأس مال اجتماعي وصحي
النتيجة الأبرز التي توصلت إليها الدراسة هي أن “التراث الثقافي” جاء مرتبطاً بصورة سلبية ودالة إحصائياً بمؤشر “سوء الرفاه” (معدل الوفيات). وفسرت الدراسة هذه العلاقة بأن المدن ذات الذاكرة التراثية القوية تمتلك غالباً قدراً أعلى من التماسك والانتماء والاستقرار الاجتماعي. وبذلك، يتحول التراث من مجرد عنصر جذب سياحي إلى ما وصفته الدراسة بـ”رأس مال اجتماعي إيجابي”. فالمواقع التراثية والمتاحف والمساجد التاريخية لا تعزز الهوية فقط، بل تخلق مساحات للتفاعل المجتمعي وتعزز الشعور بالاستمرارية والجذور، مما يقلل من عوامل التوتر والقلق المرتبطة بالحياة الحضرية الحديثة. وفي المقابل، كان تأثير “الثقافة الحية” أقل وضوحاً من الناحية الإحصائية، وهو ما أرجعته الدراسة إلى حداثة التوسع في هذه الأنشطة ضمن رؤية 2030، مما يعني أن أثرها الإيجابي قد يحتاج وقتاً أطول ليظهر في المؤشرات الصحية بطيئة التغير كمعدلات الوفيات.


