رحبت جامعة الدول العربية بالتوصل إلى اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل بشأن ترسيم الحدود البحرية، والذي تم برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، معتبرةً إياه خطوة محورية على طريق استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة على أراضيها ومياهها. وفي الوقت ذاته، حذرت الجامعة من أي محاولات قد تعرقل تنفيذ الاتفاق أو تهدد الاستقرار الداخلي الهش في لبنان، مؤكدة على ضرورة التمسك بوحدة الصف اللبناني لتجاوز هذه المرحلة الدقيقة.
خلفية تاريخية لنزاع حدودي معقد
يأتي هذا الاتفاق في سياق تاريخي معقد، حيث إن لبنان وإسرائيل في حالة حرب رسمياً منذ عام 1948، ولا توجد بينهما علاقات دبلوماسية. وقد شهدت الحدود بين البلدين جولات متعددة من الصراع والتوتر، أبرزها الاجتياحات الإسرائيلية للبنان. إلا أن اكتشاف حقول غاز واعدة في شرق البحر المتوسط خلال العقد الماضي أضاف بعداً اقتصادياً ملحاً للنزاع الحدودي، حيث تداخلت المطالب اللبنانية والإسرائيلية في مناطق بحرية غنية بالثروات الطبيعية، وعلى رأسها حقلي “كاريش” و”قانا”، مما استدعى جولات من المفاوضات غير المباشرة بوساطة دولية لتجنب تصعيد عسكري محتمل قد يزعزع استقرار المنطقة بأكملها.
أبعاد اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل وتأثيره الاستراتيجي
يحمل الاتفاق أهمية استراتيجية واقتصادية كبرى للطرفين. فبالنسبة للبنان، الذي يعاني من انهيار اقتصادي ومالي هو الأسوأ في تاريخه الحديث، يفتح الاتفاق الباب أمام بدء عمليات التنقيب عن الغاز والنفط في مياهه الإقليمية، مما قد يوفر شريان حياة لاقتصاده المنهار ومصدر إيرادات حيوية بالعملة الصعبة. أما بالنسبة لإسرائيل، فيؤمن الاتفاق حقولها البحرية ويتيح لها المضي قدماً في استخراج الغاز من حقل “كاريش” دون تهديدات، مما يعزز مكانتها كمصدر للطاقة في المنطقة. وعلى الصعيد الإقليمي، يُنظر إلى الاتفاق على أنه نموذج نادر لنجاح الدبلوماسية في حل نزاع بين دولتين عدوتين، وقد يساهم في خفض منسوب التوتر في شرق المتوسط.
موقف عربي داعم وتحذيرات من العرقلة
في هذا الإطار، أجرى الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، اتصالاً هاتفياً برئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي (بدلاً من نواف سلام المذكور خطأً في بعض البيانات الأولية)، معرباً عن ترحيبه بالاتفاق. وأكد أبو الغيط، في بيان صادر عن الجامعة، أن تنفيذ الاتفاق سيمكن الحكومة اللبنانية من بسط سيادتها الكاملة، ويمهد الطريق لعودة النازحين إلى مناطقهم، واستعادة الأسرى، وحشد الدعم الدولي اللازم لإعادة إعمار المناطق المتضررة في الجنوب. وشدد الأمين العام على استمرار دعم الجامعة العربية لكافة الخطوات التي تتخذها الحكومة اللبنانية لترسيخ الأمن والاستقرار. وفي المقابل، حذر المتحدث باسم الأمين العام من استمرار ما وصفه بـ”السياسات الإسرائيلية الاستفزازية” أو أي خطوات من شأنها التنصل من الالتزامات الواردة في الاتفاق، مؤكداً أن ذلك قد يقوض فرص تنفيذه ويعيد التوتر إلى الساحة اللبنانية.
وقد أثار الاتفاق ردود فعل متباينة داخل لبنان، حيث شهدت العاصمة بيروت احتجاجات محدودة من قبل رافضين للاتفاق، مما استدعى تدخل الجيش اللبناني لضمان الأمن. ودعا رئيس مجلس النواب نبيه بري اللبنانيين إلى تجنب الفتنة والحفاظ على وحدة الصف الداخلي، مؤكداً أن مصلحة لبنان العليا تقتضي التكاتف لعبور هذه المرحلة. وأكدت الجامعة العربية تضامنها الكامل مع لبنان، واستعدادها لمواصلة دعمه في هذه المرحلة الدقيقة لضمان تحقيق الاستقرار والازدهار المنشود.


