في تصعيد جديد للخطاب السياسي والعسكري في شبه الجزيرة الكورية، أعلن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون أن امتلاك السلاح النووي لكوريا الشمالية لم يعد ورقة تفاوض، بل هو خيار استراتيجي أبدي لا رجعة فيه. وجاءت هذه التصريحات النارية خلال اجتماع موسع لحزب العمال الحاكم في بيونغ يانغ، حيث توعد كيم بتسريع وتيرة تطوير الترسانة النووية والقدرات العسكرية لبلاده، محذراً من أن التحركات الأمريكية والكورية الجنوبية تدفع بالمنطقة إلى “حافة حرب نووية”.
جذور التوتر: سياق تاريخي للبرنامج النووي
لم يأتِ إصرار كوريا الشمالية على سلاحها النووي من فراغ، بل هو نتاج عقود من انعدام الثقة والتوتر الذي يعود بجذوره إلى نهاية الحرب الكورية في عام 1953. فمنذ ذلك الحين، اعتبرت بيونغ يانغ الوجود العسكري الأمريكي المكثف في كوريا الجنوبية تهديداً مباشراً لوجودها. وقد تعزز هذا الشعور بالعزلة والخطر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حليفها الأيديولوجي والاقتصادي الأبرز، مما دفعها إلى الاعتقاد بأن امتلاك رادع نووي هو الضمانة الوحيدة لبقاء النظام. ورغم المحاولات الدبلوماسية المتقطعة على مر السنين، مثل “الإطار المتفق عليه” في التسعينيات، إلا أنها كانت تتعثر دائماً بسبب الخلافات حول التحقق والتزام كل طرف بتعهداته، مما رسخ قناعة لدى بيونغ يانغ بأن التخلي عن قدراتها النووية سيعرضها لمصير دول أخرى تخلت عن برامجها العسكرية.
تصعيد متبادل: السلاح النووي لكوريا الشمالية وردود الفعل الإقليمية
يبرر كيم جونغ أون قراره بتسريع التطوير العسكري بالإشارة إلى ما وصفه بـ”التعزيزات العسكرية غير المسبوقة” من قبل واشنطن وسيؤول. وتشمل هذه التحركات المناورات العسكرية المشتركة واسعة النطاق، ونشر أصول استراتيجية أمريكية في المنطقة، وتأسيس “مجموعة التشاور النووي” بين الحليفين، والتي تعتبرها بيونغ يانغ بنية تحتية للتخطيط لحرب نووية ضدها. هذا الإعلان لا يؤثر على العلاقات مع الولايات المتحدة فحسب، بل يلقي بظلاله الثقيلة على الأمن الإقليمي. ففي سيؤول وطوكيو، يُنظر إلى هذا التطور بقلق بالغ، مما يدفعهما إلى تعزيز تحالفهما الدفاعي مع واشنطن وتطوير قدراتهما العسكرية الخاصة لمواجهة التهديد المتزايد. وبالتالي، تدخل المنطقة في حلقة مفرغة من سباق التسلح، حيث يبرر كل طرف خطواته بأنها رد فعل على تحركات الطرف الآخر، مما يرفع من خطر سوء التقدير واندلاع صراع مدمر.
رسائل بيونغ يانغ: ما وراء التهديدات؟
يرى محللون أن خطاب كيم الأخير يحمل رسالة واضحة للمجتمع الدولي: أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تبدأ من حقيقة أن كوريا الشمالية هي دولة نووية، وأن الهدف لن يكون “نزع السلاح النووي” بل “الحد من التسلح” وإدارة التوترات. ويأتي هذا الموقف بعد سنوات من تعثر الدبلوماسية، والتي بلغت ذروتها في قمة هانوي عام 2019 التي جمعت كيم بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وانتهت دون اتفاق. يبدو أن بيونغ يانغ تسعى من خلال ترسيخ مكانتها كقوة نووية إلى فرض شروطها في أي حوار قادم، واستخدام ترسانتها كأداة استراتيجية لضمان أمنها والحصول على تنازلات اقتصادية وسياسية، بدلاً من التخلي عنها.


