في خطوة دبلوماسية هامة، اختُتمت المباحثات التي جرت في سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة أطراف إقليمية، بالتوصل إلى إرساء آليات جديدة تهدف إلى إنقاذ مذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين من الانهيار. وعكست نتائج الجولة وجود إرادة سياسية لدى الطرفين لتجاوز العقبات، رغم أن التحديات الجوهرية لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الخلافية ومحاولات بعض الأطراف عرقلة المسار التفاوضي.
تأتي هذه المباحثات في سياق تاريخ طويل من التوتر بين واشنطن وطهران، والذي تمحور بشكل كبير حول البرنامج النووي الإيراني. فبعد سنوات من المفاوضات الشاقة، تم التوصل في عام 2015 إلى خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، التي فرضت قيودًا على أنشطة إيران النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها. إلا أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018 وإعادة فرضها للعقوبات أدى إلى تصعيد التوترات بشكل خطير في منطقة الشرق الأوسط، ودفع طهران إلى التراجع عن التزاماتها النووية. ومنذ ذلك الحين، جرت محاولات دبلوماسية متعددة، مباشرة وغير مباشرة، لإعادة إحياء الحوار وتجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة، وهو ما يمثل الخلفية التي انطلقت منها جولة سويسرا الأخيرة.
خارطة طريق لإنقاذ مذكرة التفاهم
وتهدف الآليات الجديدة التي تم الاتفاق عليها إلى تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، حيث وُضعت خارطة طريق واضحة للعمل خلال فترة الـ 60 يومًا القادمة. وأكد الجانبان الأمريكي والإيراني أن المباحثات كانت ناجحة ويمكن البناء عليها. وقد أشار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى أن “الكل نجح في وضع إطار يُبنى عليه”، واصفًا هذا الإطار بالأساس الجيد للاتفاق النهائي. من جانبه، أكد رئيس الوفد الإيراني محمد باقر قاليباف أن المحادثات أسفرت عن “إنجازات جيدة”.
وتركز الاجتماع على هندسة أرضية التفاوض المرتقب، والذي سيتناول ملفات معقدة. وبحسب بيان مشترك، اتفق المشاركون على تشكيل عدة لجان متخصصة: لجنة رفيعة المستوى للإشراف السياسي على جهود الوساطة، ومجموعات عمل لمتابعة الملف النووي والعقوبات، وأخرى لتسوية النزاعات وضمان تطبيق البنود. كما تم الاتفاق على إنشاء قناة اتصال لتفادي الحوادث وضمان العبور الآمن في مضيق هرمز، بالإضافة إلى مجموعة عمل لمنع التصعيد ووقف الأعمال العسكرية في لبنان.
تأثير إقليمي وتحديات الثقة
يحمل أي تقارب بين واشنطن وطهران تداعيات واسعة على استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها. فنجاح هذه المذكرة قد يؤدي إلى خفض التوترات في ممرات ملاحية حيوية مثل مضيق هرمز، وتهدئة الجبهات المشتعلة في المنطقة مثل لبنان. وفي هذا الإطار، وافقت واشنطن على رفع الحصار عن إيران مقابل ضمان فتح المضيق، حيث نجح المشاركون في وضع آلية لضمان إبقاء المضيق مفتوحًا ونزع الألغام منه. في المقابل، تشمل المحددات الإيرانية إنهاء الحرب في لبنان، ومناقشة ملف رفع العقوبات، وتأمين بيع النفط الإيراني. ورغم وجود إرادة سياسية واضحة، كما صرح الوسطاء، إلا أن أزمة الثقة العميقة بين الطرفين تبقى التحدي الأكبر. وقد أكد رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن على ضرورة توخي الحذر من “الظروف الخارجية والأطراف التي قد تخرب التفاوض”، مشيرًا إلى أن نجاح المذكرة يعتمد على الالتزام المستمر وحل المعضلات العالقة.


