أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريراً صادماً يفضح منظومة فساد المجلس الانتقالي الجنوبي الممنهجة، متهماً قيادات بارزة في المجلس، على رأسها عيدروس الزبيدي، بالاستيلاء على موارد عامة وخاصة تقدر بمليارات الريالات. وكشف التقرير عن اختلاس ما لا يقل عن 43 مليار ريال يمني شهرياً عبر فرض جبايات غير قانونية واستغلال النفوذ الأمني، مما يفاقم الأزمة الإنسانية في بلد مزقته الحرب ويعمق معاناة المواطنين.
التقرير، الذي استند إلى عمليات توثيق دقيقة، أوضح أن قيادات المجلس الانتقالي المنحل أنشأت منظومة فساد مالي وإداري متكاملة، تقوم على فرض جبايات قسرية والاستيلاء غير المشروع على الموارد العامة والخاصة خارج أي إطار قانوني أو رقابي. وتُستخدم هذه الأموال المنهوبة، بحسب التقرير، في تمويل تشكيلات مسلحة وأمنية موازية لا تخضع لمؤسسات الدولة الرسمية، مما يقوض سيادة القانون ويزيد من حالة التشظي في البلاد.
شبكات جباية موازية تستنزف موارد الدولة
فصّل التقرير الحقوقي الآليات التي يتم من خلالها نهب الأموال، حيث وثقت الشبكة تحصيل مبالغ شهرية تتجاوز 22 ملياراً و436 مليون ريال يمني. ويأتي الجزء الأكبر من هذه الأموال من قطاع المشتقات النفطية، حيث فرضت جهات تابعة للمجلس الانتقالي جبايات غير قانونية على الوقود عند وصوله إلى موانئ عدن وتخزينه في المصافي، بقيمة تصل إلى 21.6 مليار ريال. وقد انعكس هذا بشكل مباشر على المواطنين عبر ارتفاع حاد في أسعار الوقود والكهرباء والنقل والخدمات الأساسية.
ولم تقتصر الانتهاكات على قطاع النفط، بل شملت جبايات واسعة على شركات الإسمنت والمصانع بمئات الملايين، بالإضافة إلى إتاوات يومية تُفرض عبر النقاط الأمنية المنتشرة على الشاحنات وناقلات النفط والغاز والتجار. كما أشار التقرير إلى عمليات ابتزاز ممنهجة لأصحاب المحلات التجارية وشركات الصرافة تحت مسميات مختلفة، تدر عشرات الملايين يومياً خارج أي رقابة.
فساد المجلس الانتقالي الجنوبي في سياق الصراع المعقد
يأتي هذا الكشف في ظل الوضع السياسي والعسكري المعقد الذي يعيشه اليمن. فالمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تأسس عام 2017 ويسيطر على العاصمة المؤقتة عدن ومحافظات جنوبية أخرى، يُعد لاعباً رئيسياً في الساحة اليمنية. ورغم أنه جزء من مجلس القيادة الرئاسي المعترف به دولياً، إلا أنه يحتفظ بقواته العسكرية والأمنية الخاصة ويسعى لتحقيق أجندته الانفصالية. هذا النفوذ العسكري والسياسي على الأرض مكّن قياداته من السيطرة على الموارد الاقتصادية الحيوية، مثل الموانئ والمصافي، وتحويلها إلى مصادر تمويل خاصة على حساب الخزينة العامة، مما يعيق أي جهود لتحقيق الاستقرار أو توحيد مؤسسات الدولة.
تداعيات اقتصادية وإنسانية وخيمة
إن الآثار المترتبة على هذا الفساد المالي المنظم تتجاوز الأرقام المالية؛ فهي تضرب في صميم حياة المواطن اليمني الذي يعاني بالفعل من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. فالأموال المنهوبة كان من الممكن أن تُستخدم لدفع رواتب الموظفين المنقطعة، أو تحسين خدمات الكهرباء والمياه المنهارة، أو دعم القطاع الصحي المتهالك. وطالبت الشبكة بفتح تحقيق قضائي عاجل ومحاسبة القيادات المتورطة في المجلس الانتقالي، واسترداد الأموال المنهوبة، مؤكدة أن هذه الممارسات ترقى إلى جرائم مالية منظمة وانتهاك جسيم للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لليمنيين.


