في خطوة دبلوماسية بارزة، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعوة رسمية إلى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لزيارة البيت الأبيض في منتصف يوليو المقبل، وذلك لبحث آفاق ومستقبل العلاقات الثنائية بين البلدين. وتأتي هذه الزيارة في توقيت حاسم، حيث تسعى بغداد وواشنطن إلى إعادة تحديد ملامح الشراكة الأمريكية العراقية، لتتجاوز الأطر الأمنية التقليدية نحو تعاون استراتيجي شامل، يتصدره ملفان رئيسيان: تعزيز الاستقرار عبر حل الفصائل المسلحة، ودفع عجلة الاقتصاد العراقي عبر استثمارات نوعية.
تمتد العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق إلى عقود مضت، لكنها شهدت تحولاً جذرياً بعد عام 2003. وقد شكل “اتفاق الإطار الاستراتيجي” الموقع عام 2008 حجر الزاوية لهذه العلاقة، حيث هدف إلى تنظيم التعاون طويل الأمد في مجالات تتعدى الأمن لتشمل الاقتصاد والثقافة والتعليم. إلا أن ظهور تنظيم “داعش” الإرهابي عام 2014 أعاد التركيز بشكل كبير على الجانب العسكري، وأدى إلى تشكيل التحالف الدولي بقيادة واشنطن، وفي المقابل، برزت هيئة الحشد الشعبي في العراق كقوة رئيسية على الأرض، وهو ما أفرز واقعاً أمنياً معقداً لا تزال تداعياته حاضرة حتى اليوم.
تحدي الفصائل المسلحة وأفق الشراكة الأمريكية العراقية
يُعد ملف حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة التي تعمل خارج سيطرتها أحد أكبر التحديات التي تواجه حكومة الزيدي، وهو أيضاً مطلب أساسي للإدارة الأمريكية لضمان استقرار العراق ومنع استخدامه ساحة للصراعات الإقليمية. وبحسب البيان المشترك الصادر عن الحكومة العراقية والسفارة الأمريكية، فإن المباحثات التمهيدية في بغداد بين الزيدي والمبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص توم برّاك، تناولت ضرورة تنفيذ الخطط العراقية الرامية إلى نزع السلاح وحلّ جميع الجماعات المسلحة. وتأتي هذه الضغوط في وقت تتخذ فيه بغداد خطوات فعلية، مثل تشكيل لجنة عليا لحصر السلاح بيد الدولة، بينما أعلنت فصائل مثل «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي» تسليم إدارة ألويتها ضمن هيئة الحشد الشعبي، في حين لا تزال فصائل أخرى كـ«كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» متمسكة بسلاحها وتشترط انسحاب قوات التحالف الدولي.
أبعاد اقتصادية واستراتيجية للزيارة المرتقبة
إلى جانب الملف الأمني الشائك، تحمل زيارة الزيدي إلى واشنطن أبعاداً اقتصادية واستراتيجية واعدة. فالعراق، الذي لا يزال يتعافى من آثار الحروب، يسعى لجذب استثمارات كبرى لإعادة تأهيل بنيته التحتية وتطوير قطاعاته الحيوية، وعلى رأسها الطاقة. وقد أشاد البيان المشترك بالخطوات التي اتخذها العراق لتهيئة بيئة استثمارية جاذبة، ومنها استكمال منح الترخيص التشغيلي لشركة «ستارلينك»، وإطلاق مفاوضات مع شركة «شيفرون» لتطوير حقلي غرب القرنة-2 والناصرية، بالإضافة إلى التقدم في مشروع إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس. وتمثل هذه المشاريع فرصة لتعميق الشراكة الاقتصادية، وتحقيق مصالح مشتركة تساهم في استقرار العراق وازدهاره، وهو ما تعتبره واشنطن عنصراً حيوياً لأمن المنطقة بأسرها.


