مصافحة باهتة تثير عاصفة من التساؤلات
في مشهد لافت التقطته عدسات الكاميرات العالمية، أثارت المصافحة التي جمعت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش قمة مجموعة السبع في مدينة بياريتز الفرنسية، موجة واسعة من التحليلات على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. وُصفت المصافحة بأنها “باردة” و”باهتة”، وهو ما يتناقض بشكل حاد مع اللقاءات السابقة بين الزعيمين، التي اشتهرت بمصافحات قوية وطويلة كانت تُفسر في كثير من الأحيان على أنها استعراض للقوة والنفوذ. هذه اللحظة الدبلوماسية القصيرة أعادت تسليط الضوء على طبيعة العلاقة المعقدة بين واشنطن وباريس، وكشفت عن توترات كامنة خلف الابتسامات الرسمية.
المشهد الذي تم تداوله على نطاق واسع أظهر الرئيس ترمب وهو يمسك بيد ماكرون بفتور واضح، بقبضة بدت ضعيفة على غير عادته، بينما ظهرت ذراعه ملتوية بزاوية غير مألوفة. هذا التباين الكبير مع مصافحاتهما السابقة، التي كانت أشبه بمباريات رمزية في المصارعة بالأيدي، دفع المراقبين إلى اعتبار أن لغة الجسد هذه المرة حملت رسائل سياسية غير مباشرة، تعكس الخلافات العميقة بين الحليفين حول ملفات دولية شائكة مطروحة على طاولة القمة.
تاريخ من المصافحات القوية: ما الذي تغير؟
لم تكن العلاقة بين ترمب وماكرون بعيدة عن الأضواء منذ بدايتها. ففي أول لقاء لهما عام 2017، تحولت مصافحتهما الطويلة والقوية إلى حديث الإعلام العالمي، حيث اعتبرها الكثيرون اختباراً مبكراً للإرادات بين الرئيس الأمريكي المعروف بأسلوبه المهيمن، والزعيم الفرنسي الشاب الذي سعى لإثبات حضوره على الساحة الدولية. تكررت هذه المشاهد في مناسبات عدة، لتصبح سمة مميزة للقاءات الرجلين، تتأرجح بين الود المبالغ فيه أحياناً، والمنافسة الصامتة أحياناً أخرى. إلا أن مصافحة ترمب وماكرون الأخيرة في بياريتز بدت وكأنها نهاية لهذا التقليد، وبداية لمرحلة من الفتور الدبلوماسي العلني، مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول ما تغير في ديناميكية العلاقة بينهما.
أبعد من لغة الجسد: خلافات على طاولة الكبار
تأتي هذه المصافحة الباردة في سياق سياسي مشحون بالخلافات بين الولايات المتحدة وفرنسا، التي تقود موقفاً أوروبياً موحداً في العديد من القضايا. من أبرز نقاط الخلاف التي سبقت القمة، إصرار فرنسا على فرض ضريبة على عمالقة التكنولوجيا الرقمية الأمريكيين، وهو ما ردت عليه واشنطن بالتهديد بفرض رسوم جمركية على النبيذ الفرنسي. بالإضافة إلى ذلك، يبرز التباين الكبير في وجهات النظر حول الملف النووي الإيراني، حيث تسعى فرنسا وأوروبا لإنقاذ الاتفاق الذي انسحبت منه إدارة ترمب. كما أن قضايا أخرى مثل تغير المناخ، والتجارة الدولية، والحرب في أوكرانيا، تشكل ساحات خلاف رئيسية تعمق الهوة بين ضفتي الأطلسي. وبهذا المعنى، لم تكن المصافحة إلا انعكاساً بصرياً لهذه التوترات السياسية العميقة، ورسالة بأن وحدة مجموعة السبع أصبحت على المحك أكثر من أي وقت مضى.


