في خطبة جامعة من رحاب المسجد الحرام، وجه إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي رسالة إيمانية عميقة للمسلمين، مؤكداً على المفهوم الإسلامي الأصيل في إعمار الأرض وتحقيق التوازن بين متطلبات الحياة الدنيا والغاية الأسمى المتمثلة في الفوز بالآخرة. وأوصى الشيخ غزاوي المسلمين بتقوى الله، التي هي مفتاح البصيرة والفرقان بين الحق والباطل، ومصدر الرزق الطيب والخير الوفير.
من منبر الحرم المكي: رسالة عالمية للتنمية والوسطية
تكتسب خطب الجمعة من الحرمين الشريفين أهمية بالغة، حيث يتابعها ملايين المسلمين حول العالم، وتعتبر منارة هداية ومنهج حياة. وفي هذا السياق، جاءت خطبة الشيخ غزاوي لتلامس واقع المسلم المعاصر، الذي يواجه تحديات مادية وفكرية. فقد استهل خطبته بوصف دقيق لحقيقة الدنيا الفانية، مشبهاً إياها بالزينة والمتاع الزائل الذي يغتر به الكثيرون، فقال: “مَا أَحْقَرَ شَأْنَهَا! وَمَا أَهْوَنَ قَدْرَهَا!، خُطُوبُهَا تَتَجَدَّدُ، وَأَشْجَانُهَا تَتَعَدَّدُ”. واستشهد بقوله تعالى: ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ… وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)).
وأوضح أن هذه النظرة للدنيا لا تعني الرهبانية أو الانقطاع عن الحياة، بل هي دعوة لفهم حقيقتها كقنطرة للآخرة. فالإسلام، كما بين الشيخ، لم يأتِ لتحريم الطيبات أو ترك العمل، بل جاء ليضع الأمور في نصابها الصحيح. فالمؤمن مأمور بالسعي والعمل والكسب الحلال، وهو ما يندرج تحت المفهوم الشامل لخلافة الإنسان في الأرض.
فقه إعمار الأرض: بين السعي الحلال والزهد المعتدل
أكد الشيخ غزاوي أن على المؤمن أن يتبنى نظرة متكاملة ومتوازنة، فإدراكه لحقيقة الدنيا يدفعه للزهد فيها، ولكن هذا الزهد لا يعني تركها، بل يعني عدم تعلق القلب بها. وشدد على أن “الْمُؤْمِنُ مَأْمُورٌ بِإِعْمَارِ الْأَرْضِ، وَمُبَاحٌ لَهُ التَّمَتُّعُ بِالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، وَمُطَالَبٌ بِالسَّعْيِ فِي الْكَسْبِ الْحَلَالِ وَالانْتِفَاعِ بِهِ فِي حُدُودِ الشَّرْعِ، بِلَا إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ”. وهذا المنهج الوسطي هو الذي يحمي الفرد والمجتمع من آفتي الإفراط والتفريط؛ فلا يغرق في بحر الشهوات، ولا ينعزل عن دوره في بناء الحضارة الإنسانية.
وبيّن أن الذم الوارد في النصوص الشرعية للدنيا لا يقصد به الزمان أو المكان، وإنما هو ذم للفعل السيئ فيها والانشغال بها عن طاعة الرحمن. ونقل عن الإمام ابن القيم قوله: “الدُّنيا في الحقيقة لا تُذَمُّ، وإنما يتوجه الذمُ إلى فعل العبد فيها”، فهي مزرعة الآخرة التي يكتسب فيها المؤمن الإيمان والمعرفة ومحبة الله.
دروس من الهجرة النبوية في بناء المجتمع
وفي سياق متصل، ألقى إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف، الشيخ الدكتور حسين آل الشيخ، الضوء على حدث الهجرة النبوية، الذي يمثل منهجاً متكاملاً في بناء الفرد والمجتمع. وأكد أن الأمة لن تتمكن من تجاوز أزماتها إلا من خلال قراءة واعية لسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، واستلهام الدروس والعبر منها، وعلى رأسها تحقيق التوحيد الخالص لله تعالى، الذي قامت عليه جميع مراحل السيرة النبوية.
ودعا آل الشيخ الأمة الإسلامية وعلمائها إلى لزوم السنة النبوية والاجتماع عليها، ونبذ أسباب الفرقة والتحزب، مؤكداً أن ما تعانيه الأمة اليوم من اختلاف وتخبط هو نتيجة مباشرة لمخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم. واختتم خطبته بالتأكيد على أهمية التثبت في نقل أحداث السيرة، والرجوع إلى كتب السنة المعتبرة، لضمان أخذ الدين من مصادره النقية والصحيحة.


