تحولت مدينة نانيوكي، الواقعة في قلب كينيا، إلى ساحة مواجهات عنيفة واحتجاجات شعبية حاشدة، أشعل فتيلها الإعلان عن خطة أمريكية لمواجهة الإيبولا في كينيا. الخطة المشتركة بين الحكومتين تقضي بإنشاء مركز حجر صحي متخصص داخل قاعدة لايكيبيا الجوية، بهدف عزل المواطنين الأمريكيين الذين تعرضوا لفيروس الإيبولا القاتل أثناء عملهم في بؤر تفشيه بجمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا المجاورتين، مما أثار موجة غضب عارمة بين السكان المحليين انتهت بسقوط قتلى وجرحى.
المشروع المثير للجدل، الذي يهدف إلى بناء وحدة حجر صحي تضم حوالي 50 سريراً، كان مخصصاً لاستقبال الأمريكيين (من دبلوماسيين وعسكريين وعاملي إغاثة) الذين تعرضوا للفيروس دون أن تظهر عليهم الأعراض بعد، كإجراء احترازي. لكن هذه الخطة قوبلت برفض قاطع من أهالي المنطقة، الذين تجمعوا بالمئات أمام القاعدة العسكرية، مرددين هتافات غاضبة مثل “لا للإيبولا الأمريكي على أرضنا” و”كينيا ليست مكب نفايات صحية”. وسرعان ما تصاعدت حدة الاحتجاجات، حيث أقدم المتظاهرون على إحراق إطارات السيارات وإقامة حواجز على الطرق، مما أدى إلى شل حركة المدينة جزئياً ووقوع صدامات دامية مع قوات الأمن التي حاولت تفريقهم، وأسفرت عن مقتل شخصين على الأقل وإصابة آخرين.
جذور الأزمة: مخاوف شعبية في مواجهة خطة أمريكية لمواجهة الإيبولا في كينيا
تنبع المخاوف الشعبية من عدة أسباب منطقية، فالمنطقة التي تم اختيارها لإقامة المركز تعتمد بشكل كبير على قطاعي السياحة والزراعة، ويخشى السكان أن مجرد وجود منشأة مرتبطة بالإيبولا قد يلحق ضرراً بسمعة المنطقة ويؤدي إلى عزوف السياح والمستثمرين. علاوة على ذلك، يسود شعور بالتمييز والقلق من احتمال تسرب الفيروس إلى المجتمع المحلي، خاصة في ظل البنية التحتية الصحية التي قد لا تكون مجهزة للتعامل مع تفشٍ بهذا الحجم. يعتبر المتظاهرون أن الخطة تعطي الأولوية لسلامة الأجانب على حساب سلامة المواطنين الكينيين، وهو ما اعتبروه إهانة لسيادة بلادهم.
السياق الإقليمي وتاريخ الفيروس الفتاك
يأتي هذا التوتر في وقت تواجه فيه منطقة وسط أفريقيا، وتحديداً جمهورية الكونغو الديمقراطية، أحد أسوأ موجات تفشي فيروس الإيبولا في التاريخ. هذا الفيروس، الذي اكتُشف لأول مرة عام 1976، يُعرف بمعدل وفياته المرتفع الذي قد يصل إلى 90%، وينتقل عبر الاتصال المباشر بالسوائل الجسدية للمصابين. وقد تسبب وباء غرب أفريقيا بين عامي 2014 و2016 في حالة من الذعر العالمي، مبرزاً أهمية الاستعداد الدولي والقدرة على احتواء الفيروس بسرعة. وفي هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة ودول أخرى إلى تأمين منشآت آمنة لإجلاء وعزل مواطنيها العاملين في الخطوط الأمامية لمواجهة الوباء، وهو ما يفسر دافعها وراء هذه الخطة.
موقف الحكومة وتدخل القضاء
في محاولة لتهدئة الشارع، دافع الرئيس الكيني ويليام روتو ووزير الصحة أدين دوالي عن المشروع، مؤكدين أن المركز ليس مخصصاً للأمريكيين فقط، بل سيعزز من قدرات كينيا على مواجهة أي تفشٍ محتمل للإيبولا في المستقبل وحماية جميع المواطنين. إلا أن هذه التطمينات لم تنجح في إقناع السكان المحليين. ومع تصاعد الأزمة، تدخلت المحكمة العليا الكينية وأصدرت أمراً قضائياً بوقف مؤقت لأعمال البناء والتشغيل، وطالبت الحكومة بالكشف عن كامل تفاصيل الاتفاق المبرم مع واشنطن. وقد تم تمديد هذا التعليق لاحقاً، مما يترك مصير المشروع معلقاً وسط حالة من الشد والجذب بين المخاوف الشعبية المشروعة ومتطلبات الأمن الصحي الدولي.


