في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تعصف بالعالم، كشف تقرير دولي حديث عن أرقام مقلقة تدق ناقوس الخطر، معلنةً عن دخول العالم مرحلة جديدة ومحتدمة من سباق التسلح النووي. فقد أظهر التقرير الصادر عن “الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية” (ICAN) أن الدول النووية التسع أنفقت مجتمعة مبلغاً قياسياً بلغ 119 مليار دولار على ترساناتها خلال العام الماضي، بزيادة ضخمة قدرها 17 مليار دولار عن العام الذي سبقه، مما يمثل تصعيداً خطيراً في الاستثمار بأسلحة الدمار الشامل.
صدى الحرب الباردة: عودة شبح سباق التسلح النووي
يعيد هذا التصعيد إلى الأذهان حقبة الحرب الباردة، التي شهدت تنافساً محموماً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لتطوير وتكديس الأسلحة النووية. في تلك الفترة، شكل مبدأ “الدمار المتبادل المؤكد” رادعاً هشاً منع اندلاع مواجهة مباشرة. وبعد انتهاء الحرب الباردة، دخل العالم في مرحلة من التفاؤل النسبي، تم خلالها توقيع العديد من معاهدات الحد من التسلح، مثل معاهدات “ستارت”، التي هدفت إلى تقليص الترسانات النووية وتعزيز الشفافية. لكن التقرير الأخير، الذي شارك في إعداده باحثون من “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” (SIPRI)، يؤكد أن هذا الزخم الإيجابي قد تآكل، وأن العالم يتجه نحو مسار معاكس، حيث تنهار أنظمة ضبط التسلح وتتسابق القوى الكبرى لتحديث وتوسيع قدراتها النووية.
أرقام قياسية ودول متنافسة: من يقود الإنفاق النووي؟
تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول الأكثر إنفاقاً بفارق شاسع، حيث خصصت 69.2 مليار دولار لبرنامجها النووي، وهو ما يتجاوز إنفاق الدول الثماني الأخرى مجتمعة. وتأتي الصين في المرتبة الثانية بإنفاق قدره 13.5 مليار دولار، تليها بريطانيا (12.6 مليار دولار)، ثم روسيا (9.5 مليار دولار). وتضم القائمة أيضاً فرنسا والهند وباكستان وكوريا الشمالية وإسرائيل. والمقلق ليس فقط حجم الإنفاق، بل وتيرة التوسع أيضاً، حيث تشير التقديرات إلى أن الصين توسّع ترسانتها النووية بمعدل أسرع من أي دولة أخرى، وقد تمتلك بحلول نهاية العقد عدداً من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات يضاهي ما لدى روسيا أو الولايات المتحدة. وتمتلك القوى النووية مجتمعة ما يقدر بـ 12,187 رأساً حربياً، يستحوذ الكرملين والبنتاغون على نحو 83% منها.
ما وراء المليارات: تداعيات عالمية ومخاطر مستقبلية
إن التكلفة الباهظة لهذا السباق لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تمتد لتشمل تكلفة إنسانية وأمنية هائلة. وانتقدت سوزي سنايدر، المسؤولة في منظمة ICAN، هذا الإنفاق ووصفته بأنه “غير مقبول”، مشيرة إلى أن المبالغ التي أُنفقت كان يمكن أن تغطي تكاليف تشغيل الأمم المتحدة لمدة 32 عاماً، أو توفر الأمن الغذائي لملايين البشر. علاوة على ذلك، يزداد الخطر مع إدخال تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي في أنظمة القيادة والسيطرة النووية، مما قد يقلل من زمن اتخاذ القرار ويزيد من احتمالية نشوب صراع نووي عن طريق الخطأ. ويأتي هذا التصعيد في وقت حذر فيه مدير “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” من أن دور الأسلحة النووية أصبح أكثر بروزاً في السياسات الدولية، وأن المخاطر النووية تتزايد بشكل لم يشهده العالم منذ عقود.


