تحليل: بسام الجيعان
تمثل الصحفية الأمريكية المخضرمة كارين إليوت هاوس حالة فريدة في التأريخ الغربي للشأن السعودي. فعلى مدار عقود، لم تكن مجرد مراقبة عابرة، بل باحثة متعمقة انتقلت من تفكيك بنية “المملكة التقليدية” المعقدة إلى محاولة اللحاق بوتيرة “السعودية المتحولة” السريعة. مسيرتها المهنية لا تعكس تطورها كصحفية فحسب، بل ترسم بوضوح مسار التحول الذي شهدته المملكة نفسها، وكيف أجبر هذا التحول العالم على إعادة ضبط عدسته لفهم هذه القوة الإقليمية الصاعدة.
فهم ما وراء النفط والدين
في وقت كانت فيه السرديات الغربية تختزل السعودية في صور نمطية عن النفط والثروة والمجتمع المحافظ، قدمت هاوس في كتابها البارز “عن السعودية: شعبها، ماضيها، دينها، خطوط صدعها، ومستقبلها” رؤية مغايرة. انطلاقاً من مدرستها الصحفية في “وول ستريت جورنال”، تجاوزت السطحيات لتبحث في المحركات الحقيقية للدولة: شبكات المصالح، مراكز القرار، توازنات القوى، وأثر المال في السياسة، وتأثير السياسة في السوق. لقد رأت في المملكة عقدة جيوسياسية محورية في العالم، دولة تمسك بورقة الطاقة وتؤثر في التوازنات الإقليمية وتمتلك وزناً مالياً ضخماً. هذا العمق التحليلي جعل قراءتها أكثر تركيباً من الكتابات الثقافية التي عجزت عن رؤية البعد الاستراتيجي للمملكة وأهميته الدولية.
سباق مع الزمن لرصد “رؤية 2030”
مع انطلاق رؤية 2030، وجدت كارين إليوت هاوس، ومعها بقية المراقبين الدوليين، أن الأدوات التحليلية القديمة لم تعد كافية. فالمملكة التي اعتادوا على وصفها بالبطيئة والحذرة، انطلقت في مشروع تحديث شامل بوتيرة غير مسبوقة. لم يعد التحليل البنيوي كافياً، بل أصبح من الضروري التركيز على الفاعل السياسي الذي يقود هذا التغيير، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. هذا التحول في المشهد السعودي انعكس في كتاباتها اللاحقة، حيث انتقل التركيز من “النظام” إلى “القائد”، ومن “التوازنات” إلى “القرار”، ومن “التطور البطيء” إلى “التحول الجذري”. لقد أدركت أن السعودية الجديدة لم تعد تكتفي بإدارة ثروتها النفطية، بل تسعى لبناء اقتصاد متنوع ومستقبل ما بعد النفط، وهو ما يتطلب سرعة وجرأة في اتخاذ القرار.
كارين إليوت هاوس: شاهدة على مملكتين في بلد واحد
يمكن القول إن مسيرة كارين إليوت هاوس المهنية تجعلها شاهدة على ميلاد “سعوديتين”. الأولى كانت دولة تُقرأ من خلال هياكلها الراسخة وعلاقاتها المعقدة وتطورها الاجتماعي الهادئ الذي كان ينمو تحت السطح. أما الثانية، فهي دولة تُقرأ من خلال طموحها الكبير، ومشاريعها العملاقة مثل نيوم والقدية، وانفتاحها الاجتماعي المتسارع، ودورها الجديد كلاعب استثماري عالمي وقوة فاعلة في مجالات الترفيه والرياضة والتكنولوجيا. هذا الانتقال من “سعودية تُفسَّر” إلى “سعودية تَفعل” هو جوهر التحول الذي اضطرت هاوس لمواكبته. إن حقيقة اضطرار صحفية بمثل خبرتها إلى تغيير أدواتها التحليلية بشكل جذري هي في حد ذاتها الدليل الأكبر على عمق وسرعة التحول الذي تعيشه المملكة.
تطور النظرة الغربية للسعودية
في النهاية، تتجاوز أهمية كتابات هاوس كونها مجرد تحليل خارجي، لتصبح وثيقة ترصد تطور النظرة الأمريكية للسعودية. فمن خلال تتبع مسارها، نرى كيف انتقل الفهم من دولة حليفة ومحافظة إلى قوة إقليمية طموحة تعيد تعريف نفسها والعالم من حولها. بين السعودية التي فسرتها هاوس في الماضي والسعودية التي تسابق الزمن لملاحقتها اليوم، تكمن قصة أحد أهم التحولات الوطنية في القرن الحادي والعشرين، وهو تحول أجبر المراقبين على الاعتراف بأن فهم المملكة يتطلب اليوم أدوات جديدة ورؤية متجددة باستمرار.


