بعد مرور عقد كامل على الاستفتاء التاريخي الذي هز أركان القارة العجوز وأخرج المملكة المتحدة من التكتل الأوروبي، تظهر المؤشرات واستطلاعات الرأي الحديثة تحولاً دراماتيكياً في مواقف المواطنين البريطانيين. تشير الدراسات الأخيرة إلى أن تداعيات بريكست باتت تلقي بظلالها الثقيلة على الحياة اليومية والاقتصاد المحلي، مما دفع شريحة واسعة من المجتمع إلى إعادة التفكير في جدوى هذا الانفصال التاريخي الذي جرى التصويت عليه في عام 2016، وسط تساؤلات متزايدة حول إمكانية تصحيح المسار أو حتى العودة إلى الحاضنة الأوروبية.
من الحلم بالسيادة الكاملة إلى مواجهة الواقع المعقد
في يونيو من عام 2016، توجه ملايين البريطانيين إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في استفتاء تاريخي حسمت نتيجته بنسبة 52% لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. قاد حملة المغادرة آنذاك سياسيون بارزون روجوا لوعود براقة تمحورت حول استعادة السيادة الوطنية الكاملة، والتحكم المطلق في الحدود، وخفض معدلات الهجرة، وتوجيه الأموال التي كانت تُدفع لبروكسل إلى النظام الصحي الوطني. ومع ذلك، فإن المسار الفعلي للانفصال، الذي اكتمل رسمياً في مطلع عام 2021 بعد مفاوضات عسيرة، كشف عن تعقيدات هيكلية غير مسبوقة في سلاسل الإمداد، وحركة التجارة، والتعاون الأمني والسياسي بين لندن وجيرانها الأوروبيين.
تداعيات بريكست الاقتصادية والاجتماعية تحت المجهر
على الصعيد الاقتصادي، تشير البيانات الرسمية وتقارير الخبراء إلى أن الاقتصاد البريطاني واجه صعوبات جمة نتيجة الخروج من السوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الجمركي. بدلاً من الازدهار الموعود، عانت بريطانيا من تباطؤ في معدلات النمو، وتراجع في الاستثمارات الأجنبية، ونقص حاد في العمالة المؤهلة في قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية والزراعة والنقل. علاوة على ذلك، فإن ملف الهجرة -الذي كان المحرك الأساسي لحملة المغادرة- شهد تحولاً غير متوقع؛ فرغم تراجع أعداد المهاجرين من دول الاتحاد الأوروبي، سجلت البلاد ارتفاعاً قياسياً في أعداد الوافدين من دول خارج الاتحاد، مما جعل الكثير من الناخبين يشعرون بأن الوعود الانتخابية لم تكن سوى شعارات سياسية غير قابلة للتطبيق الفعلي.
أبعاد جيوسياسية ودعوات متزايدة لإعادة بناء الجسور
لم تقتصر آثار هذا الانفصال على الداخل البريطاني فحسب، بل امتدت لتؤثر على التوازنات الجيوسياسية في أوروبا والعالم. فقد خسرت بريطانيا ثقلها السياسي المباشر داخل صنع القرار الأوروبي، بينما واجه الاتحاد الأوروبي تحدي الحفاظ على تماسك أعضائه الآخرين. واليوم، وفي ظل المتغيرات الدولية المتسارعة، تتبنى وسائل إعلام بريطانية رائدة مثل صحيفة “إندبندنت” حملات تدعو إلى فتح نقاش وطني جاد تحت عنوان “أوروبا: طريق العودة”. ويهدف هذا الحراك إلى استكشاف صيغ جديدة للتعاون الوثيق مع بروكسل في مجالات حيوية كالأمن والدفاع والتجارة والتعليم، مما يعكس رغبة متنامية لدى النخبة والجمهور في تجاوز مرحلة القطيعة وبناء شراكة استراتيجية تضمن مصالح بريطانيا الحيوية في عالم يزداد تعقيداً.


