يسعى معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة بجامعة أم القرى إلى مواصلة دوره الريادي والعلمي في دعم المنظومة المقدسة، حيث أعلن المعهد مؤخراً عن إطلاق 16 دراسة علمية جديدة تهدف بشكل مباشر إلى رفع جاهزية موسم الحج القادم وتوفير حلول تطبيقية مبتكرة للتحديات الميدانية. وتأتي هذه الخطوات تماشياً مع التطوير المتسارع الذي تشهده خدمات ضيوف الرحمن بدعم مستمر من القيادة الرشيدة للمملكة العربية السعودية.
تاريخ ممتد في خدمة ضيوف الرحمن
تأسس معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة ليكون الذراع العلمي والاستشاري الأبرز في دراسة وتطوير الخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين. وعلى مدى عقود، نجح المعهد في إنجاز ما يقارب 4000 دراسة علمية متخصصة، وأسهم في تدريب أكثر من 100 ألف مستفيد من العاملين في القطاع. ولم تقتصر جهوده على الجوانب النظرية، بل شارك بفعالية في تصميم وتنفيذ مشاريع كبرى غيرت ملامح التجربة الإيمانية، مثل مشروع النقل الترددي، ومشروع المملكة للإفادة من الهدي والأضاحي، وتطوير منشأة جسر الجمرات لتسهيل حركة الحشود وضمان سلامتهم.
دراسات نوعية لتعزيز جاهزية موسم الحج
أوضح عميد المعهد، الدكتور خالد الغامدي، أن البحث العلمي لم يعد مجرد مسار موازٍ للمنظومة، بل أصبح جزءاً أساسياً لا يتجزأ منها لقراءة الاحتياجات الميدانية بدقة وتصميم حلول قابلة للتطبيق. وفي إطار الاستعدادات المبكرة، يعمل المعهد حالياً على 16 دراسة نوعية يشارك فيها 20 باحثاً متخصصاً، تغطي مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والمشاعر المقدسة.
وتتوزع هذه الدراسات على مجالات متعددة تشمل الجوانب البيئية، والصحية، والهندسية، والإدارية، والإنسانية، والمعلوماتية. ومن أبرز هذه الدراسات المبتكرة لهذا الموسم:
- دراسة الحد من انتشار العدوى أثناء الحلاقة في الحج.
- تقييم فعالية المطهرات في تقليل التلوث الميكروبي على لحوم الأضاحي.
- رصد المخاطر البيئية ومدى الالتزام بمعايير السلامة في منطقة الحرم المكي الشريف.
- تحليل توزيع مراكز الطوارئ في المشاعر المقدسة لضمان سرعة الاستجابة الطبية.
- رسم خريطة رقمية لمواقع تسربات المياه في مشعر منى لضمان كفاءة شبكات الإمداد.
أثر محلي ودولي لتقليل الهدر ومكافحة الإجهاد الحراري
تتجاوز أهمية هذه الدراسات النطاق المحلي لتنعكس إيجاباً على المستوى الإقليمي والدولي، حيث يفد إلى المملكة ملايين المسلمين من شتى بقاع الأرض سنوياً. وتسهم هذه الأبحاث في تقديم نموذج عالمي فريد في إدارة الحشود الضخمة وتحقيق الاستدامة البيئية والصحية.
وقد أظهرت نتائج الدراسات الميدانية للموسم الماضي (بين عامي 1445 و1446هـ) نجاحاً ملموساً؛ حيث أسهمت دراسة الإدارة اللوجستية لنقاط توزيع المواد التموينية الخيرية في خفض الفائض بأكثر من 50%، وتحسين مستوى النظافة العامة. كما كشفت دراسة عبوات المياه عن وجود فاقد مركب بلغ 31.1%، مما يمهد الطريق لإعادة هيكلة سياسات التوزيع لتقليل الهدر المائي.
وفي الجانب البيئي والصحي، سجلت مؤشرات الإجهاد الحراري انخفاضاً ملحوظاً على طرق المشاة بين الموسمين الماضيين، حيث تراجعت أعلى قيمة مسجلة من 51.55 درجة مئوية إلى 43 درجة مئوية، نتيجة لتطبيق المعالجات البيئية الموصى بها علمياً وتوفير أنظمة التبريد المبتكرة.
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في إدارة الحشود
تماشياً مع رؤية المملكة 2030، يولي المعهد اهتماماً بالغاً بالتقنيات الحديثة والتحول الرقمي. ويعمل المعهد حالياً على تأسيس بنك معلومات شامل عن الحج، وتطوير نماذج محاكاة حسابية متطورة لعمليات التفويج والحركة. ويهدف هذا التوجه إلى توظيف الذكاء الاصطناعي والتحليل المكاني والنمذجة الرياضية لتقييم الخدمات بشكل استباقي، وإدارة المخاطر المحتملة، وتحسين الحركة التشغيلية في المشاعر المقدسة، مما يجعل التقنية ركيزة أساسية لاتخاذ القرار وصناعة المعرفة لخدمة ضيوف الرحمن.


