أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن تسلمها رسمياً 34 صندوقاً تحتوي على وثائق بالغة السرية قدمتها الحكومة السورية الجديدة، وتخضع هذه المستندات حالياً لعمليات تحليل ودراسة دقيقة للكشف عن تفاصيل ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا. وتأتي هذه الخطوة المفصلية في إطار الجهود الدولية الرامية لتفكيك إرث النظام السوري السابق بقيادة بشار الأسد، والكشف عن الحجم الحقيقي لبرنامجه الكيميائي السري الذي طالما أنكره لسنوات طويلة.
سياق تاريخي معقد حول الأسلحة الكيميائية في سوريا
يعود ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا إلى عقود مضت، حيث بنى النظام السوري السابق ترسانة ضخمة من الغازات السامة والمواد الكيميائية الفتاكة مثل غاز السارين والخردل والكلور كأداة للردع الاستراتيجي. ومع اندلاع الثورة السورية في عام 2011، تحولت هذه الأسلحة إلى أداة قمع فتاكة ضد المدنيين، حيث وثقت تقارير دولية استخدامها في هجمات مروعة مثل مجزرة الغوطة في عام 2013 وهجوم خان شيخون في عام 2017. ورغم انضمام دمشق إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في عام 2013 تحت ضغط دولي وتعهدها بتدمير مخزونها بالكامل، إلا أن الشكوك والتقارير الاستخباراتية ظلت تؤكد احتفاظ النظام ببرنامج سري ومواقع غير معلنة، وهو ما يتكشف اليوم بوضوح مع العثور على هذه الصناديق والوثائق الحساسة.
ترحيب أممي وتعاون أمني غير مسبوق
خلال جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي مخصصة لبحث هذا الملف الحساس، رحبت إيزومي ناكاميتسو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح، بالتعاون المستمر والفعال للحكومة السورية الحالية مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. وأكدت ناكاميتسو أن هذا التعاون ‘الشجاع’ أسهم في تحقيق تقدم كبير وملموس في إغلاق هذا الملف الشائك. وأوضحت أن وفداً متخصصاً من المنظمة زار عدة مواقع في الساحل الشمالي والوسط السوري، وعثر على مواد ومعدات مطابقة لتلك التي استخدمها النظام السابق في هجماته الكيميائية السامة.
اعتقالات واسعة تطال رؤوس البرنامج الكيميائي
في سياق متصل، كشف محمد قطوب، المندوب الدائم لسوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، عن إجراءات أمنية صارمة اتخذتها السلطات السورية؛ حيث تم اعتقال 18 شخصاً يشتبه في تورطهم المباشر في إدارة وتطوير برنامج الأسد الكيميائي السري. وتشمل قائمة المعتقلين مسؤولين عسكريين وسياسيين وفنيين كبار، من بينهم ضباط يحملون رتبة لواء في عهد النظام السابق، وأربعة منهم مدرجون بالفعل على قوائم العقوبات الأوروبية والبريطانية والأمريكية. وتأتي هذه الاعتقالات لتؤكد جدية الإدارة السورية الجديدة في تصفية هذا الملف ومحاسبة المتورطين فيه أمام العدالة الدولية.
التأثيرات المتوقعة على الساحتين الإقليمية والدولية
يحمل هذا التطور التاريخي أبعاداً وتأثيرات عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يساهم الكشف الكامل عن تفاصيل هذا البرنامج في تحقيق العدالة الانتقالية لضحايا الهجمات الكيميائية وبناء دولة القانون. إقليمياً، يعزز هذا التحول من استقرار منطقة الشرق الأوسط عبر إزالة خطر أسلحة الدمار الشامل التي هددت الأمن الإقليمي لسنوات. ودولياً، يمثل نجاح منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في الوصول إلى هذه الوثائق انتصاراً لمنظومة نزع السلاح الدولي، ويوجه رسالة حازمة بأن الجرائم ضد الإنسانية واستخدام الأسلحة المحظورة لن تسقط بالتقادم، مما يعزز السلم والأمن الدوليين تماشياً مع تصريحات مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم العلبي، الذي أكد انخراط بلاده الإيجابي في الالتزام بالمعاهدات الدولية.


