اتفاق ثلاثي يرسم ملامح «لبنان جديد»: تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان
في خطوة تاريخية خالفت كل التوقعات السياسية والميدانية وتجاوزت أجواء الغموض، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان. ويأتي هذا الإعلان المشترك بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة بعد جولة مفاوضات ماراثونية مكثفة عُقدت يومي 2 و3 يونيو. ويمثل هذا الاتفاق تحولاً استراتيجياً بارزاً لا يقتصر على التهدئة العسكرية المؤقتة فحسب، بل يضع ركائز متينة لعملية أمنية وسياسية شاملة تهدف إلى تفكيك البنية التحتية لحزب الله وإنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة، تمهيداً لصياغة مستقبل جديد للبنان.
جذور الصراع والسياق التاريخي للاتفاق الثلاثي
يأتي هذا الاتفاق بعد عقود من المواجهات المستمرة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، والتي كان جنوب لبنان مسرحاً رئيسياً لها. تاريخياً، شكل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي اتُخذ بعد حرب عام 2006، الإطار القانوني لإنهاء العمليات القتالية، ونص على خلو المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والحدود الدولية من أي مسلحين أو أسلحة غير تلك التابعة للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. ومع ذلك، واجه تطبيق هذا القرار عقبات ميدانية كبيرة على مر السنين. ويمثل الاتفاق الحالي محاولة حاسمة لتجاوز الإخفاقات السابقة وفرض واقع أمني جديد ينهي المظاهر المسلحة غير الشرعية بشكل نهائي.
شروط ميدانية صارمة وتأسيس “المناطق التجريبية”
بناءً على نص البيان المشترك، فإن تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان مشروط بوقف كامل وشامل لكافة العمليات العسكرية من جانب حزب الله، وإخلاء جميع عناصره ومعداته من منطقة جنوب نهر الليطاني. ويتضمن الاتفاق آلية تنفيذية سريعة تعتمد على إنشاء “مناطق تجريبية” (Pilot Zones)، حيث يتولى الجيش اللبناني السيطرة الحصرية والفعالة على الأرض، مع استبعاد تام لأي فصائل أو جهات مسلحة غير حكومية. ويعكس هذا البند رؤية مشتركة التزمت بها الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية برعاية أمريكية مباشرة، مؤكدين رفضهما القاطع لربط مستقبل لبنان بأجندات خارجية أو إقليمية.
رؤية الرئيس دونالد ترامب والتوجه الأمريكي الجديد
تتقاطع بنود هذا الاتفاق بشكل مباشر مع الرؤية السياسية الشاملة لإدارة رئيس أمريكا حالياً دونالد ترامب، والتي تسعى إلى تحويل الضغط العسكري الإسرائيلي إلى مكاسب سياسية مستدامة تحقق الاستقرار الإقليمي. ورغم التسريبات التي أشارت إلى مكالمة حادة وصف فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ”المجنون تماماً” بسبب إصراره على مواصلة العمليات العسكرية، إلا أن الإدارة الأمريكية وإسرائيل تتفقان تماماً على الهدف الاستراتيجي النهائي: تجريد حزب الله من سلاحه وتفكيك ترسانته العسكرية في عموم الأراضي اللبنانية.
وفي هذا السياق، صاغ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في شهادة حاسمة أمام الكونغرس، معادلة سياسية جديدة تصنف حزب الله كـ “عدو للدولة اللبنانية” وليس فقط لإسرائيل والولايات المتحدة. وشدد روبيو على ضرورة حصر السلاح بيد القوة الشرعية الوحيدة المتمثلة في الجيش اللبناني، متعهداً بتقديم دعم مالي وعسكري أمريكي سخي لتمكين المؤسسة العسكرية اللبنانية من بسط سيادتها الكاملة.
أبعاد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان وتأثيره الإقليمي
يحمل هذا الاتفاق تداعيات كبرى على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يضع الاتفاق حزب الله في موقف حرج للغاية؛ حيث يجد نفسه مخيراً بين القبول بشروط قاسية تفكك نفوذه العسكري، أو مواجهة حرب واسعة النطاق بغطاء دولي ومحلي غير مسبوق. وقد أبدت أوساط الحزب صدمة سلبية ورفضاً مطلقاً للاتفاق، متمسكة بـ “لاءين”: لا وقف لإطلاق النار من طرف واحد، ولا ترتيبات أمنية جنوب الليطاني دون انسحاب إسرائيلي كامل.
إقليمياً، يمثل نجاح الاتفاق ضربة قوية للنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، حيث اعتبر السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل ليتر، أن الاتفاق يترجم رغبة دولية وإقليمية مشتركة لإخراج إيران من المعادلة اللبنانية. وفي المقابل، تباينت المواقف داخل الحكومة الإسرائيلية، فبينما اعتبر وزير الدفاع إسرائيل كاتس الاتفاق إنجازاً تاريخياً، انتقد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الخطوة واصفاً إياها بـ “الخطأ الفادح”، مؤكداً على ضرورة مواصلة العمليات العسكرية على الأرض.
في النهاية، تتجه الأنظار إلى رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، الذي يواجه ساعة الحقيقة في كيفية إدارة هذه التناقضات المعقدة وحفظ السلم الأهلي. ومع ترقب استئناف المسارين السياسي والأمني في الأسبوع الذي يبدأ في 22 يونيو، يبقى مصير الاستقرار في المنطقة معلقاً على مدى قدرة الدولة اللبنانية، بدعم من المجتمع الدولي، على فرض هذا الواقع الجديد على الأرض.


