كشفت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن الإدارة الأمريكية تجري مناقشات سرية وجادة حول إمكانية توسيع الانتشار النووي في أوروبا. تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية غير المسبوقة منذ عقود في إطار مساعي واشنطن لتعزيز مظلة الردع النووي وطمأنة حلفائها الأوروبيين، لا سيما في ظل المخاوف المتزايدة من احتمالية تقليص الدعم العسكري التقليدي الأمريكي للقارة العجوز، وتصاعد التهديدات الأمنية على الحدود الشرقية لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
الخلفية التاريخية لترتيبات المشاركة النووية
تستند المناقشات الجارية إلى إرث طويل من التعاون العسكري يعود إلى حقبة الحرب الباردة. فمنذ عقود، تعتمد استراتيجية الدفاع الجماعي لحلف الناتو على ما يُعرف بترتيبات “المشاركة النووية”، حيث تستضيف ست دول أوروبية حالياً عناصر من القدرات والأسلحة النووية الأمريكية تحت إشراف وسيطرة مباشرة من واشنطن. وتهدف هذه الترتيبات التاريخية إلى خلق توازن استراتيجي في مواجهة أي تهديد خارجي، وضمان أن تظل المظلة النووية الأمريكية ركيزة أساسية لحماية الأمن الأوروبي المشترك. ومع ذلك، فإن التطورات الجيوسياسية الأخيرة فرضت مراجعة شاملة لهذه الصيغة التقليدية.
أبعاد ودوافع توسيع الانتشار النووي في أوروبا
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية والعسكرية المغلقة في وقت حساس للغاية يتسم بالتوتر المتزايد مع روسيا على خلفية الحرب المستمرة في أوكرانيا. ويشير المراقبون إلى أن القلق الأوروبي المتصاعد يرتبط أيضاً بتوجهات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يركز على ضرورة إعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي في الخارج، ومطالبة الحلفاء الأوروبيين بتحمل مسؤولية أكبر وأعباء مالية وعسكرية أثقل في الدفاع التقليدي عن قارتهم. وفي هذا السياق، يمثل التفكير في توسيع الانتشار النووي في أوروبا رسالة مزدوجة؛ فهي من جهة تؤكد التزام واشنطن الصارم بأمن الحلفاء، ومن جهة أخرى تضغط عليهم لزيادة إنفاقهم الدفاعي التقليدي.
طائرات القدرة المزدوجة ودور الجناح الشرقي للناتو
تتمحور الأفكار المطروحة حول إمكانية زيادة استضافة ما يُعرف بـ “الطائرات ذات القدرة المزدوجة” (DCA)، وهي مقاتلات وقاذفات متطورة قادرة على تنفيذ مهام تقليدية ونووية على حد سواء. وتشمل هذه المنظومات طائرات حديثة للغاية مثل “إف-35 إيه” (F-35A) وقاذفات “بي-21 رايدر” (B-21 Raider) المستقبلية، بالإضافة إلى طرازات مجربة مثل “إف-15 إيه” و”بي-2 سبيريت” و”إف-16″. وقد أبدت دول في الجناح الشرقي لحلف الناتو، وعلى رأسها بولندا ودول البلطيق، اهتماماً كبيراً وعلناً باستضافة هذه القدرات الردعية المتقدمة على أراضيها، رغبةً منها في تعزيز أمنها القومي المباشر في مواجهة أي تحركات روسية محتملة.
التأثيرات الإقليمية والدولية المتوقعة للمناقشات الجارية
على الرغم من أن المسؤولين يؤكدون أن هذه المشاورات لا تزال في مراحلها الأولى وتجري بسرية تامة، وقد لا تؤدي إلى تغييرات فورية في الهيكل الدفاعي الحالي، إلا أن مجرد طرح الفكرة يحمل تداعيات جيوسياسية هائلة. على الصعيد الإقليمي، من شأن أي توسيع للقدرات النووية أن يثير ردود فعل حادة من موسكو، التي تعتبر أي اقتراب للبنية التحتية النووية للناتو من حدودها تهديداً مباشراً لأمنها القومي، مما قد يشعل سباق تسلح جديد في القارة. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه الخطوة تعيد صياغة توازنات القوى الدولية وتؤكد مجدداً أن السلاح النووي يظل الأداة الأبرز في رسم ملامح العلاقات الدولية المعاصرة وإدارة الأزمات الكبرى بين القوى العظمى.


