تشهد الساحة اللبنانية منعطفاً عسكرياً ودبلوماسياً بالغ الخطورة، حيث تتصاعد حدة المواجهات الميدانية بالتزامن مع انطلاق محادثات واشنطن الدبلوماسية الرامية لوقف إطلاق النار. وفي خطوة مفاجئة، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالتعاون مع وزير دفاعه يسرائيل كاتس، أوامر عسكرية مباشرة لضرب الضاحية الجنوبية لبيروت، مستندين إلى ما وصفوه بـ “الضوء الأخضر الأمريكي”. هذا التصعيد الميداني يضع الجهود الدبلوماسية على المحك، ويثير تساؤلات جوهرية حول رغبة تل أبيب في تفخيخ المسار السياسي وإفشال المفاوضات قبل بدئها.
جذور الصراع اللبناني الإسرائيلي وإرث الاتفاقيات السياسية
تاريخياً، لم يكن الجنوب اللبناني بمنأى عن الأطماع والتحركات العسكرية الإسرائيلية، حيث يمتد الصراع لعقود شهدت اجتياحات متعددة واتفاقيات دولية سعت لضبط الأمن. ويبرز هنا “اتفاق الطائف” الذي وُقّع لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية وإعادة بناء الدولة المركزية وحصر السلاح في يد القوى الشرعية والجيش اللبناني. ومع ذلك، ظل تطبيق هذه البنود معقداً في ظل التوازنات الإقليمية ودور القوى المسلحة غير الحكومية. اليوم، يعيد التصعيد الحالي التذكير بتلك المراحل التاريخية، حيث تسعى الأطراف الدولية لإعادة إحياء نموذج الدولة القوية القادرة على بسط سيادتها بالكامل، وهو ما يشكل خلفية أساسية تدور حولها محادثات واشنطن الجارية حالياً.
ميدان يشتعل ومناورات لفرض شروط المنتصر
ميدانياً، لم يقتصر التصعيد الإسرائيلي على الغارات الجوية العنيفة ضد الضاحية الجنوبية لبيروت، بل امتد ليشمل تحركات برية استراتيجية تمثلت في إعلان الجيش الإسرائيلي السيطرة على قلعة شقيف التاريخية، وتوسيع رقعة التدمير الممنهج في مدينتي النبطية وصور. يرى مراقبون أن هذا التمدد الجغرافي يهدف إلى فرض واقع أمني جديد يتجاوز الشريط الحدودي التقليدي، مما يتيح لإسرائيل الدخول إلى المفاوضات من موقع القوة وفرض شروطها الأمنية. في المقابل، يواصل حزب الله إطلاق الرشقات الصاروخية والطائرات المسيرة باتجاه المواقع الإسرائيلية، تأكيداً على رفضه لأي تسوية لا تتماشى مع الحسابات الاستراتيجية الإقليمية، مما يزيد من تعقيد المشهد الميداني والسياسي على حد سواء.
أبعاد وتأثيرات التصعيد على محادثات واشنطن والاستقرار الإقليمي
على الصعيد الدبلوماسي، تبرز أهمية الجولة الرابعة من المفاوضات في وزارة الخارجية الأمريكية كفرصة أخيرة لمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة. ورغم الأجواء السلبية التي خيمت على الأوساط السياسية اللبنانية عقب اجتماع البنتاغون الأمني الأخير، إلا أن لبنان قرر المضي قدماً في المشاركة وعدم إلغاء الجولة. يأتي هذا القرار مدفوعاً بنصائح وضغوط من عواصم عربية ترى ضرورة تحصين الموقف التفاوضي اللبناني واستخدام الدبلوماسية كأداة ضغط غير مباشرة على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للجم الاندفاعة العسكرية الإسرائيلية.
إن التأثير المتوقع لهذه التطورات يتجاوز الحدود اللبنانية؛ فمحلياً، تسعى الدولة اللبنانية لتثبيت سيادتها وحماية مواطنيها، بينما إقليمياً، يمثل هذا الصراع حلقة في سلسلة المواجهات الكبرى التي تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. ودولياً، تضع هذه الأزمة إدارة الرئيس الأمريكي ترامب أمام اختبار حقيقي لقدرتها على رعاية اتفاق سلام مستدام يضمن الأمن الإقليمي ويمنع تفجر جبهات جديدة.


