باتت الدولة العراقية قاب قوسين أو أدنى من إنجاز واحدة من أعقد المهام الأمنية والسياسية في تاريخها الحديث، والمتمثلة في تحقيق حصر السلاح بيد الدولة. يأتي هذا التطور في ظل تفاهمات سياسية نادرة وغير مسبوقة بين الحكومة العراقية وزعماء الإطار التنسيقي الشيعي. ومن مقرر أن تتبلور هذه التفاهمات خلال الأيام القليلة القادمة عبر اجتماع مفصلي يجمع رئيس الوزراء علي فالح الزيدي مع قادة الإطار التنسيقي، لبحث آليات دمج الفصائل المسلحة وإنهاء المظاهر العسكرية غير الرسمية.
محاور الاجتماع المرتقب ومبادرة التيار الوطني الشيعي
يكتسب هذا الاجتماع أهمية استثنائية كونه سيناقش ثلاثة محاور رئيسية وحاسمة لمستقبل البلاد. المحور الأول يركز على استكمال الاستحقاقات الدستورية والسياسية، والاتفاق على عقد جلسة برلمانية للتصويت على الحقائب الوزارية الشاغرة لتفعيل العمل الحكومي بكامل طاقته. أما المحور الثاني، فيناقش القرار التاريخي الذي اتخذه زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر بشأن فك ارتباط “سرايا السلام” وإلحاقها بالأجهزة الأمنية الرسمية، وهي خطوة لاقت ترحيباً حكومياً واسعاً واعتُبرت دافعاً قوياً لجهود التهدئة والاستقرار.
بينما يركز المحور الثالث على وضع صيغة نهائية لملف الفصائل المسلحة الأخرى وهيئة الحشد الشعبي. وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة عن طرح مقترحين بارزين داخل أروقة الإطار التنسيقي؛ الأول يقضي بتأسيس وزارة أمنية جديدة تدمج تحت مظلتها هيئة الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية وقوات حرس الحدود، في حين يقترح البديل الآخر دمج عناصر الفصائل مباشرة ضمن ملاكات وزارتي الدفاع والداخلية.
خطة المراحل الثلاث لتطبيق حصر السلاح بيد الدولة
لتنفيذ هذه الرؤية على أرض الواقع، يعتزم رئيس الوزراء علي فالح الزيدي عقد اجتماع موسع يضم القيادات العسكرية والأمنية وممثلي الفصائل التي أبدت استعدادها لتسليم سلاحها. ويهدف الاجتماع إلى وضع جداول زمنية دقيقة وآليات عملية لتفكيك المقار العسكرية ودمج المقاتلين، وذلك عبر خطة وطنية شاملة تتألف من ثلاث مراحل متتالية:
- مرحلة الجرد والحصر: تشمل إحصاء كافة المواقع والمستودعات والأسلحة التابعة لكل فصيل مسلح بدقة.
- مرحلة التقييم والتسليم: وضع سقف زمني محدد لتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى مخازن الدولة تحت إشراف لجان فنية مختصة.
- مرحلة الدمج والتوزيع: نقل الأفراد وتوزيعهم على المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية، مع توفير الضمانات القانونية والمالية اللازمة لهم.
وستتولى لجان مشتركة تضم ممثلين عن الأجهزة الأمنية والوزارات السيادية والفصائل المعنية الإشراف المباشر على هذه المراحل، برعاية القائد العام للقوات المسلحة، مع ضمان توفير التخصيصات المالية والرواتب التقاعدية والوظيفية لضمان نجاح العملية وانسيابيتها دون عوائق.
السياق التاريخي لانتشار الفصائل المسلحة في العراق
لا يمكن فهم تعقيدات هذا الملف دون العودة إلى الجذور التاريخية التي أدت إلى نشوء هذه التشكيلات المسلحة. فمنذ عام 2003، وعقب الغزو الأمريكي وإسقاط النظام السابق وحل الجيش العراقي، عانت البلاد من فراغ أمني هائل أدى إلى ظهور فصائل مسلحة متعددة لحماية المكونات والمناطق المختلفة. وتضاعف هذا الوجود بشكل متسارع وعقائدي في عام 2014 إثر اجتياح تنظيم “داعش” الإرهابي لثلث مساحة العراق وسقوط مدن كبرى مثل الموصل، مما استدعى صدور فتوى الجهاد الكفائي وتأسيس هيئة الحشد الشعبي كقوة رديفة للقوات الأمنية لاستعادة الأراضي المغتصبة.
التأثيرات المتوقعة لإنهاء المظاهر المسلحة محلياً وإقليمياً
إن نجاح العراق في طي صفحة السلاح المنفلت سيكون له ارتدادات إيجابية واسعة النطاق على كافة المستويات. محلياً، سيسهم ذلك في تعزيز سلطة القانون وبناء مؤسسات دولة قوية ومستقرة، مما يمهد الطريق لجذب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق التنمية الاقتصادية التي يطمح إليها الشعب العراقي بعد عقود من الحروب والاضطرابات.
إقليمياً ودولياً، يعزز هذا التحول من سيادة العراق ويمنع استغلال أراضيه في الصراعات الإقليمية بالوكالة، مما يرسخ دور بغداد كعامل استقرار ووسيط موثوق في الشرق الأوسط، ويسهم في بناء شراكات أمنية واقتصادية متوازنة مع دول الجوار والمجتمع الدولي على حد سواء.


