تعيش العاصمة الإيرانية طهران حالة من الضبابية السياسية والانقسام الداخلي في مراكز القوى، وسط تساؤلات متزايدة في الأوساط الغربية والإقليمية حول من يتحكم بقرار إيران فعلياً. وقد أعاد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان هذا الجدل إلى الواجهة مجدداً بتصريحاته الأخيرة التي أكد فيها أن إدارة البلاد يجب ألا تنحصر في دائرة محدودة من صانعي القرار. هذه التصريحات فُسرت على نطاق واسع بأنها إشارة واضحة إلى تنامي نفوذ جهات موازية داخل الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي يمتلك خيوطاً اقتصادية وعسكرية وسياسية واسعة النطاق.
هيكل السلطة المعقد: من يتحكم بقرار إيران تاريخياً؟
لفهم طبيعة النظام السياسي الإيراني، يجب العودة إلى الدستور الذي وُضع بعد ثورة عام 1979. يتأسس النظام على مبدأ “ولاية الفقيه”، حيث يمتلك المرشد الأعلى علي خامنئي الكلمة الفصل في كافة القرارات الاستراتيجية، بما في ذلك السياسة الخارجية والأمن القومي والقوات المسلحة. ورغم وجود مؤسسات منتخبة مثل رئاسة الجمهورية والبرلمان، إلا أن هذه المؤسسات غالباً ما تجد نفسها مقيدة بقرارات وتوجهات المؤسسات غير المنتخبة، مثل مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام، وبالطبع الحرس الثوري الإيراني. هذا التداخل الهيكلي يخلق صراعاً دائماً ومستتراً بين التيار البراغماتي أو الإصلاحي الذي يمثله بزشكيان حالياً، والتيار الأصولي المتشدد.
تحالفات الظل وإعادة هندسة مراكز القوى
تشير التقارير الصحفية، ومنها ما نشرته صحيفة “التلغراف” البريطانية، إلى أن الواقع السياسي داخل طهران أكثر تعقيداً من مجرد ثنائية “رئيس وإصلاحيين ضد متشددين”. فبينما تُصوّر بعض الدوائر الإعلامية رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على أنه “بوتين إيران” نظراً لنفوذه الواسع، تبرز في الكواليس شخصيات أخرى تعيد رسم خريطة القوة. من أبرز هذه الأسماء أحمد وحيدي ومحمد علي جعفري، القائد السابق للحرس الثوري. جعفري، الذي عاد بقوة إلى دائرة التأثير، يُعتبر المهندس الرئيسي لإعادة هيكلة الحرس الثوري ومؤسس شبكات “الحلقة الوسطى”، وهي شبكة تضم آلاف المجموعات الشبابية الموالية للنظام وتُستخدم للتعبئة السياسية وإعادة تشكيل التوازنات الداخلية. ويرى مراقبون وجود تحالف غير معلن بين وحيدي وجعفري يقوم على تبادل المصالح والنفوذ، مما قد يمهد لصعود جيل أكثر تشدداً داخل أروقة الحكم.
التأثيرات الإقليمية والدولية لصراع النفوذ في طهران
إن الإجابة على سؤال من يتحكم بقرار إيران لا تهم الداخل الإيراني فحسب، بل تمتد تداعياتها إلى الساحتين الإقليمية والدولية. محلياً، يؤدي هذا الانقسام إلى شلل في اتخاذ القرارات الاقتصادية الحاسمة، خاصة في ظل العقوبات الدولية الخانقة وتدهور العملة المحلية. أما إقليمياً، فإن سيطرة الحرس الثوري على ملفات السياسة الخارجية تعني استمرار الدعم لشبكة الفصائل المسلحة في الشرق الأوسط، مما يعقد جهود التهدئة الإقليمية. دولياً، يؤثر هذا الصراع بشكل مباشر على مستقبل المفاوضات النووية والعلاقات مع الغرب؛ إذ يجد المجتمع الدولي نفسه أمام واجهتين إيرانيتين: واجهة دبلوماسية حكومية تسعى للانفتاح ورفع العقوبات، وقوة عسكرية موازية متمسكة بالنهج المتشدد وترفض تقديم أي تنازلات جوهرية.


