بين زحام المشاعر المقدسة وتعدد اللغات واختلاف الثقافات، تتحرك رسالة رقمية حيوية بين ضيوف الرحمن: “حافظ على الماء”. هذه العبارة هي جوهر حملة “ماي” التي أطلقها المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه خلال موسم حج 1447، مستخدمةً حقائب رقمية للتوعية بترشيد المياه للحجاج مصممة خصيصًا لتصل إلى كل حاج بلغته وفي المكان الذي يحتاجه فيه، مؤكدة على أهمية هذه المبادرة في ظل التحديات المائية العالمية والجهود المبذولة لضمان استدامة الموارد.
تحدثت “عكاظ” مع مجموعة من الشباب السعوديين خلال تجولهم في مشعر منى، وسألتهم عن الحقائب الإلكترونية التي يحملونها على أكتافهم. فأوضحوا أنها رسالة مضيئة للحجاج، هدفها التوعية بأهمية ترشيد استهلاك المياه، واستشعار النعمة وعدم هدرها، والإجابة عن استفساراتهم حول الطرق الصحيحة للحد من هدر المياه والوسائل المستخدمة في ذلك. هذه الجهود لا تتوقف عند المشاعر المقدسة، بل تمتد لتشمل أماكن إقامة الحجاج في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
أهمية الماء في الإسلام وتحديات المملكة المائية
يحتل الماء مكانة عظيمة في الشريعة الإسلامية، حيث يُعد أساس الحياة والطهارة، ويُشدد على عدم الإسراف فيه حتى لو كان ذلك عند وضوءٍ على نهرٍ جارٍ. وفي سياق فريضة الحج، تتضاعف أهمية الماء كونه ضرورة حيوية لملايين الحجاج القادمين من شتى بقاع الأرض لأداء مناسكهم، من شرب ووضوء ونظافة. المملكة العربية السعودية، بحكم موقعها الجغرافي ومناخها الصحراوي القاحل، تواجه تحديات مائية كبيرة، وتعتمد بشكل أساسي على تحلية مياه البحر لتلبية احتياجاتها المتزايدة. ومع تزايد أعداد الحجاج عامًا بعد عام، يزداد الضغط على الموارد المائية والبنية التحتية، مما يجعل مبادرات ترشيد الاستهلاك ضرورة قصوى لضمان استدامة هذه الموارد للأجيال القادمة ولضيوف الرحمن.
استراتيجية “ماي”: نهج شامل لترشيد المياه للحجاج
تأتي مبادرة “ماي” ضمن حملة أوسع بعنوان “بالماء نحيا وبحفظه نؤجر”، لترسيخ السلوكيات الإيجابية تجاه الماء. وقد شارك في هذه المبادرة أكثر من 200 متطوع في إيصال 250 حقيبة توعوية غطت أكثر من 17.5 ألف وحدة فندقية. وتم تخصيص أكثر من 3,000 لوحة إرشادية تحمل رسائل توعوية بـ11 لغة عالمية، لترافق الحجاج في تفاصيل يومهم وتدعوهم إلى ترشيد الاستهلاك بلغة يفهمها الجميع. هذا النهج الشامل يضمن وصول الرسالة إلى أكبر شريحة ممكنة من الحجاج، مع مراعاة التنوع الثقافي واللغوي، مما يعكس التزام المملكة بتقديم أفضل الخدمات لضيوف الرحمن مع الحفاظ على البيئة والموارد.
الأثر المستقبلي للمبادرة ودورها في رؤية 2030
إن هذه المبادرة لا تقتصر آثارها على موسم الحج فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا أعمق على المستويين المحلي والدولي. محليًا، تساهم في تعزيز الوعي البيئي وتقليل الهدر، مما يدعم أهداف الاستدامة المائية ضمن رؤية السعودية 2030، التي تضع الحفاظ على الموارد الطبيعية في صميم أولوياتها. إقليميًا ودوليًا، تقدم المملكة نموذجًا يحتذى به في إدارة الحشود الكبيرة والموارد الحيوية، خاصة في ظل التحديات العالمية المتعلقة بشح المياه وتغير المناخ. كما أن نشر ثقافة ترشيد الاستهلاك بين ملايين الحجاج الذين يعودون إلى بلدانهم يحمل تأثيرًا ثقافيًا واسع النطاق، مما يجعل حفظ الماء مسؤولية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية، وتؤكد على دور المملكة الريادي في تعزيز الاستدامة العالمية.


