في خطوة مفصلية تعكس تطلعات واسعة نحو بناء دولة عراقية قوية وذات سيادة، دعا زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، اليوم، إلى فصل تشكيلات الحشد الشعبي عن الأوامر الحزبية والطائفية. وقد أعلن الصدر في بيانه عن انفصال “سرايا السلام”، التشكيل العسكري التابع له، عن التيار الشيعي الوطني، وتأكيد التحاقها الكامل بالدولة. هذه الدعوة تأتي في سياق جهود متواصلة لتعزيز استقلالية الحشد الشعبي وضمان ولاء جميع القوات المسلحة للمؤسسة العسكرية الرسمية.
جذور التشكيلات المسلحة في العراق: سياق تاريخي
لفهم عمق دعوة الصدر، لا بد من استعراض السياق التاريخي الذي أفرز هذه التشكيلات. بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، شهدت البلاد فراغاً أمنياً وسياسياً أدى إلى ظهور العديد من الميليشيات والجماعات المسلحة. في تلك الفترة، أسس مقتدى الصدر “جيش المهدي” الذي لعب دوراً بارزاً في المشهد الأمني والسياسي، قبل أن يعلن حله عام 2008. ومع ظهور تنظيم داعش الإرهابي وسيطرته على مساحات واسعة من شمال العراق في عام 2014، أصدر المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني فتوى “الجهاد الكفائي”، التي دعت العراقيين إلى حمل السلاح للدفاع عن وطنهم ومقدساتهم. استجابة لهذه الفتوى، تشكلت قوات الحشد الشعبي، التي ضمت فصائل مسلحة متنوعة، بما في ذلك “سرايا السلام” التابعة للصدر، والتي كان هدفها الأساسي حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية من تهديدات داعش. لقد أدت هذه التشكيلات دوراً حاسماً في دحر التنظيم الإرهابي، خاصة في معارك سامراء واستعادة الموصل، لكن طبيعتها المتعددة الولاءات، بين الدولة والأحزاب والطوائف، ظلت تمثل تحدياً كبيراً أمام بناء دولة المؤسسات.
دعوة الصدر: نحو استقلالية الحشد الشعبي ودولة المؤسسات
في بيانه الذي نشره عبر منصة “إكس”، أكد الصدر أن “انطلاقاً من المصلحة العامة للوطن، وتحاشياً للمخاطر المحدقة به، صار لزاماً علينا أن نعلن انفكاك سرايا السلام عن التيار الشيعي الوطني انفكاكاً تاماً، والتحاقها الكامل بالدولة والمسؤول العام عن التشكيلات العسكرية”. وطالب الصدر أيضاً الجهات المدنية الملحقة بالسرايا بالتحول إلى “البنيان المرصوص” دون أي مقرات أو سلاح أو زي أو عنوان أو أي مظهر آخر عسكري. هذه المطالب ليست بجديدة على الصدر، فقد دأب على تكرارها منذ سنوات، داعياً إلى حصر السلاح بيد الدولة. ويعرب الصدر عن أمله في أن تنفصل جميع تشكيلات الحشد الشعبي عن الأوامر الحزبية والطائفية، وأن تسلم فصائلها سلاحها إلى الدولة، مؤكداً أن من يرفض ذلك يُعد “خارجاً عن القانون”. هذه الدعوة تمثل خطوة جريئة نحو تحقيق استقلالية الحشد الشعبي الكاملة عن التأثيرات السياسية والطائفية، بما يضمن ولاءها المطلق للعراق وحده.
تداعيات القرار: استقرار العراق ومستقبل السيادة
إن دعوة مقتدى الصدر هذه تحمل في طياتها تداعيات عميقة على المشهد العراقي على مستويات عدة. محلياً، يمكن أن تسهم هذه الخطوة، إذا ما تم تطبيقها بشكل كامل، في تعزيز سلطة الدولة المركزية وتقوية مؤسساتها الأمنية. إن حصر السلاح بيد الدولة وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بأجندات حزبية أو طائفية سيقلل من التوترات الداخلية ويعزز السلم الأهلي، مما يفتح الباب أمام بناء مجتمع أكثر تماسكاً واستقراراً. إقليمياً، قد يقلل هذا التوجه من التدخلات الخارجية في الشأن العراقي، ويحد من تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، مما يعزز سيادة البلاد واستقلال قرارها. دولياً، ستعزز هذه الخطوة من ثقة المجتمع الدولي في قدرة العراق على إدارة شؤونه الأمنية والسياسية، مما قد يشجع على زيادة الاستثمارات الأجنبية وتقديم الدعم لجهود إعادة الإعمار والتنمية. إنها دعوة لتجاوز دائرة الجدل السياسي والأمني المستمر، والانتقال نحو مرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار.
في الختام، يمثل بيان مقتدى الصدر نقطة تحول محتملة في مسار العراق نحو بناء دولة قوية وموحدة. إن تحقيق استقلالية الحشد الشعبي عن الولاءات الضيقة، ودمج جميع القوات المسلحة تحت قيادة الدولة، هو مفتاح لمستقبل أكثر إشراقاً للعراق وشعبه.


