في مشهد إيماني مهيب، تتجه جموع حجاج بيت الله الحرام، اليوم الثلاثاء، إلى صعيد عرفات الطاهر لأداء ركن الحج الأعظم. يمثل هذا اليوم المشهود، الذي وصفه النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بأفضل الأيام، ذروة مناسك الحج، حيث يقف المسلمون متضرعين لله عز وجل منذ طلوع الشمس وحتى غروبها. وقد بدأت خطة التصعيد إلى مشعر عرفات عقب مغرب يوم التروية، وسط تنسيق عالي المستوى بين كافة الجهات المعنية، مع توظيف أحدث التقنيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي لضمان انسيابية الحركة وسلامة ضيوف الرحمن.
ويُعد مشعر عرفة المكان الوحيد من مشاعر الحج الذي يقع خارج حدود الحرم المكي. وهو عبارة عن سهل منبسط يضم جبل الرحمة الذي يبلغ طوله حوالي 300 متر، ويتوسطه شاخص يرتفع لسبعة أمتار. تحيط بعرفات سلسلة من الجبال، ويحدها وادي عرنة، وتقع على الطريق الرابط بين مكة المكرمة والطائف، على بُعد حوالي 22 كيلومترًا شرقي مكة، و10 كيلومترات من مشعر منى، و6 كيلومترات من مزدلفة. وتقدر مساحة المشعر بنحو 10.4 كيلومتر مربع، وهو مكان غير مأهول بالسكان إلا خلال أيام الحج.
الجذور التاريخية والروحية للوقوف في صعيد عرفات
يحمل الوقوف في صعيد عرفات أبعاداً تاريخية وروحية عميقة تمتد إلى فجر التاريخ الإسلامي. ففي هذا المكان الطاهر، التقى نبي الله آدم بحواء بعد هبوطهما إلى الأرض، ومن هنا جاءت تسمية “عرفات” للتعارف الذي حدث بينهما، وفقاً للروايات التاريخية المعتبرة. والأهم من ذلك، أن هذا الصعيد شهد إلقاء النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- لخطبة الوداع الشهيرة في حجة الوداع، والتي أرست مبادئ حقوق الإنسان، والمساواة، وحرمة الدماء والأموال في الإسلام، مما يجعل هذا اليوم تذكيراً سنوياً للمسلمين بتلك القيم الإنسانية العظيمة.
ومن السنة النبوية المطهرة أن ينزل الحاج بمسجد نمرة إذا تيسر له ذلك، أو أن يتأكد من تواجده داخل الحدود الشرعية لمشعر عرفة، والتي توضحها اللوحات الإرشادية المنتشرة بكثافة. وفي هذا اليوم المبارك، ينشغل الحاج بالتلبية، وقراءة القرآن، والإكثار من الاستغفار والتكبير، متجهاً إلى الله بقلب خاشع، ومجتهداً في الدعاء لنفسه ولأهله وللأمة الإسلامية جمعاء. ومع غروب شمس اليوم التاسع من ذي الحجة، تبدأ قوافل الحجيج في النفرة صوب مشعر مزدلفة لأداء صلاتي المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، والمبيت هناك.
تأثير موسم الحج على المستويين الإقليمي والدولي
لا تقتصر أهمية تجمع الحجاج في المشاعر المقدسة على الجانب الديني فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرات إيجابية واسعة النطاق. فعلى الصعيد المحلي، يعكس التنظيم الاستثنائي لهذا الحدث المليوني قدرة المملكة العربية السعودية الفائقة على إدارة الحشود وتوفير بنية تحتية متطورة، مما يعزز من مكانتها الرائدة. أما إقليمياً ودولياً، فيمثل الحج أكبر مؤتمر سنوي للسلام والتعايش، حيث تذوب الفوارق الطبقية والعرقية بين ملايين المسلمين القادمين من شتى بقاع الأرض، مما يعزز قيم التسامح والتكافل الاجتماعي، ويبعث برسالة عالمية حول وحدة الأمة الإسلامية وتلاحمها.
جهود مكثفة لضمان سلامة وراحة ضيوف الرحمن
في إطار الحرص على سلامة الحجاج، واصلت قوات الدفاع المدني جولاتها الرقابية المكثفة في مراكز ضيافة الحجاج بمشعر عرفات. شملت هذه الجولات التأكد من جاهزية أنظمة الوقاية والحماية من الحريق، وتفقد مخارج الطوارئ لضمان خلوها من العوائق، بالإضافة إلى فحص وسائل الإطفاء والإنذار المبكر. وللتخفيف من وطأة الحر، أسهم مشروع تطوير وتلطيف الساحات المحيطة بمسجد نمرة في تحسين البيئة للحجاج، من خلال زراعة أكثر من 2000 شجرة، وتوفير 320 مظلة و350 مروحة رذاذ متطورة تغطي مساحة تتجاوز 85 ألف متر مربع، مما يسهم في خفض درجات الحرارة بشكل ملحوظ.
وعلى الصعيد الصحي، جهزت وزارة الصحة 30 وحدة صحية متطورة لخدمة الحجاج، منها مستشفى شرق عرفات، ومستشفى جبل الرحمة، والمستشفى الميداني. تقدم هذه الوحدات رعاية طبية شاملة للتعامل مع حالات الإجهاد الحراري، وضربات الشمس، والأمراض المزمنة، مدعومة بأكثر من 3000 مركبة إسعافية، و11 طائرة للإسعاف الجوي، وآلاف الكوادر الطبية والميدانية المؤهلة للتدخل السريع، مما يضمن تقديم أفضل رعاية صحية ممكنة لضيوف الرحمن خلال أدائهم لمناسكهم.


